والإرث : مصير مال الميت إلى من هو أولى به ويطلق مجازا على مماثلة الحي ميتا في صفات كانت له من عزأ وسيادة كما فسر به قوله تعالى حكاية عن زكرياء ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ) أي يخلفني في النبوءة وقد يطلق على القدر المشترك بين المعنيين . وهو مطلق خلافة المنقرض وهو هنا محتمل للإطلاقين لأنه أن أريد بالكلام أهل مكة فالإرث بمعناه المجازي وإن أريد أهل مكة والقبائل التي سكنت بلاد الأمم الماضية فهو مستعمل في القدر المشترك وهو كقوله تعالى : ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) وأياما كان فقيد ( من بعد أهلها ) تأكيد لمعنى ( يرثون ) يراد منه تذكير السامعين بما كان فيه أهل الأرض الموروثة من بحبوحة العيش ثم ما صاروا إليه من الهلاك الشامل العاجل تصويرا للموعظة بأعظم صورة فهو كقوله تعالى ( ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) .
A E ومعنى ( لم يهد ) لم يرشد ويبين لهم فالهداية أصلها تبيين الطريق للسائر واشتهر استعمالهم في مطلق الإرشاد : مجازا أو استعارة كقوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم ) . وتقدم أن فعلها يتعدى إلى مفعولين وأنه يتعدى إلى الأول منهما بنفسه وإلى الثاني تارة بنفسه وأخرى بالحرف : اللام أو ( إلى ) فلذلك كانت تعديته إلى المفعول الأول باللام في هذه الآية إما لتضمينه معنى يبين وإما لتقوية تعلق معنى الفعل بالمفعول كما في قولهم : شكرت له وقوله تعالى : ( فهب لي من لدنك وليا ) ومثل قوله تعالى ( أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ) في سورة طه .
و ( أن ) مخففة من ( أن ) واسمها ضمير الشأن وجملة ( لو نشاء ) خبرها, ولما كانت ( أن ) المفتوحة الهمزة من الحروف التي تفيد المصدرية على التحقيق لأنها مركبة من ( إن ) المكسورة المشددة ومن ( أن ) المفتوحة المخففة المصدرية لذلك عدت في الموصولات الحرفية وكان ما بعدها مؤولا بمصدر منسبك من لفظ خبرها إن كان مفردا مشتقا أ من الكون إن كان خبرها جملة . فموقع ( أن لو نشاء أصبناهم ) موقع فاعل ( يهد ) والمعنى : أو لم يبين للذين يخلفون في الأرض بعد أهلها كون الشأن المهم وهو لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم .
وهؤلاء هم الذين أشركوا بالله وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم .
والإصابة : نوال الشيء المطلوب بتمكن فيه فالمعنى : أن نأخذهم أخذا لا يفلتون منه . والباء في ( بذنوبهم ) للسببية وليست لتعدية فعل ( أصبناهم ) .
وجملة ( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) واقعة موقع مفرد هو فاعل ( يهد ) ( فأن ) مخففة من الثقيلة وهي من حروف التأكيد والمصدرية واسمها في حالة التخفيف ضمير شأن مقدر وجملة شرط ( لو ) وجوابه خبر ( أن ) .
و ( لو ) حرف شرط يفيد تعليق امتناع حصول جوابه لأجل امتناع حصول شرطه : في الماضي أو في المستقبل وإذ قد كان فعل الشرط هنا مضارعا كان في معنى الماضي إذ لا يجوز اختلاف زمني فعلي الشرط والجواب وإنما يخالف بينهما في الصورة لمجرد التفنن كراهية تكرير الصورة الواحدة فتقدير قوله ( لو نشاء أصبناهم ) انتفى أخذنا إياهم في الماضي بذنوب تكذيبهم لأجل انتفاء مشيئتنا ذلك لحكمة إمهالهم لا لكونهم أعز من الأمم البائدة أو أفضل حالا منهم كما قال تعالى ( فينظروا كيف كان عاقبة الذي كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ) الآية وفي هذا تهديد بأن الله قد يصيبهم بذنوبهم في المستقبل إذ لا يصده عن ذلك غالب والمعنى : أغرهم تأخر العذاب مع تكذيبهم فحسبوا أنفسهم في منعة منه ولم يهتدوا إلى أن انتفاء نزوله بهم معلق على انتفاء مشيئتنا وقوعه لحكمة فيما بينهم وبين العذاب إلا أن نشاء أخذهم . والمصدر الذي تفيده ( أن ) المخففة إذا كان اسمها ضمير شأن يقدر ثبوتا متصيدا مما في ( أن ) وخبرها من النسبة المؤكدة وهو فاعل ( يهد ) فالتقدير في الآية : أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ثبوت هذا الخبر المهم وهو ( لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) .
والمعنى : اعجبوا كيف لم يهتدوا إلى أن تأخير العذاب عنهم هو بمحض مشيئتنا وأنه يحق عليهم عندما نشاؤه
