وجملة ( ونطبع على قلوبهم ) ليست معطوفة على جملة ( أصبناهم ) حتى تكون في حكم جواب ( لو ) لأن هذا يفسد المعنى فإن هؤلاء الذين ورثوا الأرض من بعد أهلها فقد طبع على قلوبهم فلذلك لم تجد فيهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى زمن نزول هذه السورة فلو كان جوابا ل ( لو ) لصار الطبع على قلوبهم ممتنعا وهذا فاسد فتعين : إما أن تكون جملة ( ونطبع ) معطوفة على جملة الاستفهام برمتها فلها حكمها من العطف على أخبار الأمم الماضية والحاضرة .
والتقدير : وطبعنا على قلوبهم ولكنه صيغ بصيغة المضارع للدلالة على استمرار هذا الطبع وازدياده آنا فآنا وإ'ما أن تجعل ( الواو ) للاستئناف والجملة مستأنفة أي : ونحن نطبع على قلوبهم في المستقبل كما طبعنا عليها في الماضي . ويعرف الطبع عليها في الماضي بأخبار أخرى كقوله تعالى ( إن الذين كفروا سواء عليهم ) الآية فتكون الجملة تذييلا لتنهية القصة ولكن موقع الواو في أول الجملة يرجح الوجه الأول وكأن صاحب المفتاح يأبى اعتبار الاستئناف من معاني الواو .
A E وجملة ( فهم لا يسمعون ) معطوفة بالفاء على ( نطبع ) متفرعا عليه والمراد بالسماع فهم مغزى المسموعات لا استكاك الآذان بقرينة قوله ( ونطبع على قلوبهم ) . وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) في سورة النساء .
( تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين [ 101 ] وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [ 102 ] ) لما تكرر ذكر القرى التي كذب أهلها رسل الله بالتعيين وبالتعميم صارت للسامعين كالحاضرة المشاهدة الصالحة لأن يشار إليها فجاء اسم الإشارة لزيادة إحضارها في أذهان السامعين من قوم محمد A ليعتبروا حالهم بحال أهل القرى فيروا أنهم سواء فيفيئوا إلى الحق .
وجملة ( تلك القرى ) مستأنفة استئناف الفذلكة لما قبلها من القصص من قوله : ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) ثم قوله تعالى ( وما أرسلنا في قرية من نبي ) الآية .
و ( القرى ) يجوز أن يكون خبرا عن اسم الإشارة لأن استحضار القرى في الذهن بحيث صارت كالمشاهد للسامع فكانت الإشارة إليها إشارة عبرة بحالها وذلك مفيد للمقصود من الإخبار عنها باسمها لمن لا يجهل الخبر كقوله تعالى : ( هذا ما كنزتم لأنفسكم ) أي هذا الذي تشاهدونه تكوون به هو كنزكم وهم قد علموا أنه كنزهم وإنما أريد من الإخبار بأنه كنزهم إظهار خطإ فعلهم . ويجوز أن يكون القرى بيانا لاسم الإشارة .
وجملة ( نقص عليك من أنبائها ) إما حال من ( القرى ) على الوجه الأول .
وفائدة هذه الحال الامتنان بذكر قصصها والاستدلال على نبوءة محمد A إذ علمه الله من علم الأولين ما لم يسبق له علمه والوعد بالزيادة من ذلك لما دل عليه قوله ( نقص ) من التجدد والاستمرار والتعريض بالمعرضين عن الاتعاظ بأخبارها .
وإما خبر عن اسم الإشارة على الوجه الثاني في محمل قوله ( القرى ) .
و ( من ) تبعيضية لأن لها أنباء غير ما ذكر هنا مما ذكر بعضه في آيات أخرى وطوى ذكر بعضه لعدم الحاجة إليه في التبليغ .
والأنباء : الأخبار, وقد تقدم في قوله تعالى ( ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) في سورة الأنعام .
والمراد بالقرى وضمير أنبائها : أهلها . كما دل عليه الضمير في قوله ( رسلهم ) .
وجملة ( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ) عطف على جملة ( تلك القرى ) لمناسبة ما في كلتا الجملتين بقصد التنظير بحال المكذبين بمحمد A .
وجمع ( البينات ) يشير إلى تكرر البينات مع كل رسول والبينات : الدلائل الدالة على الصدق وقد تقدمت عند قوله تعالى ( قد جاءتكم بينة من ربكم ) في قصة ثمود في هذه السورة .
( والفاء ) في قوله ( فما كانوا ليؤمنوا ) لترتيب الإخبار بانتفاء إيمانهم عن الإخبار بمجيء الرسل إليهم بما من شأنه أن يحملهم على الإيمان
