وصيغة ( ما كانوا ليؤمنوا ) تفيد مبالغة النفي بلام الجحود الدالة على أن حصول الإيمان كان منافيا لحالهم من التصلب في الكفر وقد تقدم وجه دلالة لام الجحود على مبالغة النفي عند قوله تعالى ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ) الآية في سورة آل عمران . والمعنى : فاستمر عدم إيمانهم وتمكن منهم الكفر في حين كان الشأن أن يقلعوا عنه .
و ( ما كذبوا ) موصول وصلته وحذف العائد المجرور على طريقة حذف أمثاله إذا جر الموصول بمثل الحرف المحذوف ولا يشترط اتحاد متعلقي الحرفين على ما ذهب إليه المحققون منهم الرضي كما في هذه الآية .
A E وما صدق ( ما ) الموصولة : ما يدل عليه ( كذبوا ) أي : فما كانوا ليؤمنوا بشيء كذبوا به من قبل مما دعوا إلى الإيمان به من التوحيد والبعث . وشأن ( ما ) الموصولة أن يراد بها غير العاقل فلا يكون ما صدق ( ما ) هنا الرسل بل ما جاءت به الرسل فلذلك كان فعل ( كذبوا ) هنا مقدرا متعلقه لفظ ( به ) كما هو الفرق بين كذبه وكذب به قال تعالى ( فكذبوه فأنجيناه ) وقال ( وكذب به قومك وهو الحق ) وحذف المتعلق هنا إيجازا لأنه قد سبق ذكر تكذيب أهل القرى ابتداء من قوله تعالى ( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ) وقد سبق في ذلك قوله ( ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) ولهذا لم يحذف متعلق فعل ( كذبوا ) في نظير هذه الآية من سورة يونس .
والمعنى : ما أفادتهم البينات أن يؤمنوا بشيء كان بدر منهم التكذيب به في ابتداء الدعوة والمضاف المحذوف الذي دل عليه بناء ( قبل ) على الضم تقديره : من قبل مجيء البينات .
وأسند نفي الإيمان إلى ضمير جميع أهل القرى باعتبار الغالب وهو استعمال كثير وسيخرج المؤمنون منهم بقوله ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) .
ومعنى قوله ( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) مثل ذلك الطبع العجيب المستفاد من حكاية استمرارهم على الكفر والمؤذن به فعل ( يطبع ) وقد تقدم نظائره غير مرة منها عند قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) في سورة البقرة .
وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) في سورة النساء وإظهار المسند إليه في جملة ( يطبع الله ) دون الإضمار : لما في إسناد الطبع إلى الاسم العلم من صراحة التنبيه على أنه طبع رهيب لا يغادر للهدى منفذا إلى قلوبهم كقوله تعالى ( هذا خلق الله ) دون أن يقول : هذا خلقي ولهذا اختير له الفعل المضارع الدال على استمرار الختم وتجدده .
والقلوب : العقول والقلب في لسان العرب : من أسماء العقل وتقدم عند قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم ) في سورة البقرة .
والتعريف في ( الكافرين ) تعريف الجنس مفيد للاستغراق أي : جميع الكافرين ممن ذكر وغيرهم .
وفي قوله ( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ) إلى آخر الآية تسلية لمحمد A بأن ما لقيه من قومه هو سنة الرسل السابقين وأن ذلك ليس لتقصير منه ولا لضعف آياته ولكنه للختم على قلوب كثير من قومه .
وعطفت جملة ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) على جملة ( ولقد جاءتهم رسلهم ) وما ترتب عليها من قوله ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ) تنبيها على رسوخ الكفر من نفوسهم بحيث لم يقلعه منهم لا ما شاهدوه من البينات ولا ما وضعه الله في فطرة الإنسان من اعتقاد وجود إله واحد وتصديق الرسل الداعين إليه ولا الوفاء بما عاهدوا عليه الرسل عند الدعوة : إنهم إن أتوهم بالبينات يؤمنون بها .
والوجدان في الموضعين مجاز في العلم فصار من أفعال القلوب ونفيه في الأول كناية عن انتفاء العهد بالمعنى المقصود أي : وفائه لأنه لو كان موجودا لعلمه من شأنه أن يعلمه ويبحث عنه عند طلب الوفاء به لا سيما والمتكلم هو الذي لا تخفى عليه خافية كقوله ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ) الآية أي لا محرم إلا ما ذكر فمعنى ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) ما لأكثرهم عهد .
والعهد : الالتزام والوعد المؤكد وقوعه والموثق بما يمنع من إخلافه : من يمين أو ضمان أو خشية مسبة . وهو مشتق من عهد الشيء بمعنى عرفه لأن الوعد المؤكد يعرفه ملتزمه ويحرص أن لا ينساه
