ويسمى إيقاع ما التزمه الملتزم من عهده الوفاء بالعهد فالعهد هنا يجوز أن يراد به الوعد الذي حققه الأمم لرسلهم مثل قولهم : فأتنا بآية إن كنت من الصادقين فإن معنى ذلك : إن أتيتنا بآية صدقناك . ويجوز أن يراد به وعد وثقه أسلاف الأمم من عهد آدم أن لا يعبدوا إلا الله وهو المذكور في قوله تعالى ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) الآية فكان لازما لأعقابهم .
ويجوز أن يراد به ما وعدت به أرواح البشر خالقها في الأزل المحكي في قوله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) الآية . وهو عبارة عن خلق الله فطرة البشرية معتقدة وجود خالقها ووحدانيته ثم حرفتها النزعات الوثنية والضلالات الشيطانية .
A E ووقوع اسم هذا الجنس في سياق النفي يقتضي انتفاءه بجميع المعاني الصادق هو عليها .
ومعنى انتفاء وجدانه هو انتفاء الوفاء به لأن أصل الوعد ثابت موجود ولكنه لما كان تحققه لا يظهر إلا في المستقبل وهو الوفاء جعل انتفاء الوفاء بمنزلة انتفاء الوقوع والمعنى على تقدير مضاف أي : ما وجدنا لأكثرهم من وفاء عهد .
وإنما عدي وجدان الوفاء بالعهد في ( أكثرهم ) للإشارة إلى إخراج مؤمني كل أمة من هذا الذم والمراد بأكثرهم أكثر كل أمة منهم لا أمة واحدة قليلة من بين جميع الأمم .
وقوله ( وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) إخبار بأن عدم الوفاء بالعهد من أكثرهم كان منهم عن عمد ونكث ولكون ذلك معنى زائدا على ما في الجملة التي قبلها عطفت ولم تجعل تأكيدا للتي قبلها أو بيانا لأن الفسق هو عصيان الأمر وذلك أنهم كذبوا فيما وعدوا عن قصد للكفر .
و ( إن ) مخففة من الثقيلة وبعدها مبتدأ محذوف هو ضمير الشأن والجملة خبر عنه تنويها بشأن هذا الخبر ليعلمه السامعون .
واللام الداخلة في خبر ( وجدنا ) لام ابتداء باعتبار كون ذلك الخبر خبرا من جملة هي خبر عن الاسم الواقع بع ( إن ) وجلبت اللام للتفرقة بين المخففة والنافية . وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .
وأسند حكم النكث إلى أكثر أهل القرى تبيينا لكون ضمير ( فما كانوا ليؤمنوا ) جرى على التغليب ولعل نكتة هذا التصريح في خصوص هذا الحكم أنه حكم مذمة ومسبة فناسبت محاشاة من لم تلتصق به تلك المسبة .
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإه فظلموا بها فانظر كيف كان عقبة المفسدين [ 103 ] ) انتقال من أخبار الرسالات السابقة إلى أخبار رسالة عظيمة لأمة باقية إلى وقت نزول القرآن فضلها الله بفضله فلم توف حق الشكر وتلقت رسولها بين طاعة وإباء وانقياد ونفار . فلم يعاملها الله بالاستئصال ولكنه أراها جزاء مختلف أعمالها جزاء وفاقا إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
وخصت بالتفضيل قصة إرسال موسى لما تحتوي عليه من الحوادث العظيمة والأنباء القيمة . ولأن رسالته جاءت بأعظم شريعة بين يدي شريعة الإسلام وأرسل رسولها هاديا وشارعا تمهيدا لشريعة تأتي لأمة أعظم منها تكون بعدها ولأن حال المرسل إليهم أشبه بحال من أرسل إليهم محمد A فإنهم كانوا فريقين كثيرين اتبع أحدهم موسى وكفر به الآخر, كما اتبع محمدا E جمع عظيم وكفر به فريق كثير . فأهلك الله من كفر ونصر من آمن .
وقد دلت ( ثم ) على المهلة : لأن موسى عليه السلام بعث بعد شعيب بزمن طويل فإنه توجه إلى مدين حين خروجه من مصر رجا الله أن يهديه فوجد شعيبا . وكان اتصاله به ومصاهرته تدريجا له في سلم قبول الرسالة عن الله تعالى . فالمهلة باعتبار مجموع الأمم المحكي عنها قبل فإن منها ما بينه وبين موسى قرون مثل قوم نوح ومثل عاد وثمود وقوم لوط فالمهلة التي دلت عليها ( ثم ) متفاوتة المقدار مع ما يقتضيه عطف الجملة بحرف ( ثم ) من التراخي الرتبي وهو ملازم لها إذا عطفت بها الجمل . فحرف ( ثم ) هنا مستعمل في معنيي المهلة الحقيقي والمجازي .
والضمير في قوله ( من بعدهم ) يعود إلى القرى باعتبار أهلها كما عادت عليهم الضمائر في قوله ( ولقد جاءتهم رسلهم ) الآيتين