وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله فإن المشركين وإن أشركوا مع الله آلهة إلا أن بعض القبائل كان لها مزيدا اختصاص ببعض الأصنام كما كان لثقيف مزيد اختصاص باللات كما تقدم في سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج كما سيأتي في تفسير قوله تعالى ( فمن حج البيت أو أعتمر ) في هذه السورة فالعدول إلى الإضافة هنا لأنها أخصر طريق في الدلالة على هذا المقصد فهي أخصر من الموصول فلو أريد غير الله لقيل اعبدوا أربابكم فلا جرم كان قوله ( أعبدوا ربكم ) صريحا في أنه دعوة إلى توحيد الله ولذلك فقوله ( الذي خلقكم ) زيادة بيان لموجب العبادة أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة .
وقوله ( والذين من قبلكم ) يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ( نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) فكان قوله ( والذين من قبلكم ) تذكيرا لهم بأن آباؤهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى . ولعل هذا هو وجه التأكيد بزيادة حرف ( من ) في قوله ( من قبلكم ) الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على قبلكم لأن ( من ) في الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول الموصوفين بالقبلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع معنى التأكيد الغالب عليها إذا وقعت مع قبل وبعد .
والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه " خلق الأديم إذا هيأه ليقطعه ويخرزه " قال جبير في هرم بن سنان : .
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري وأطلق الخلق في القرآن وكلام الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة فهو إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجا لا صنعة فيه للبشر فإن إيجاد البشر بصنعتهم أشياء إنما هو تصويرها بتركيب متفرق أجزائها وتقدير مقادير مطلوبة منها كصانع الخزف فالخلق فالخلق وإيجاد العوالم وأجناس الموجودات وأنواعها وتولد بعضها عن بعض بما أودعت الخلقة الإلهية فيها من نظام الإيجاد مثل تكوين الأجنة في الحيوان في بطونه وبيضه وتكوين الزرع في حبوب الزريعة وتكوين الماء في الأسحبة فذلك كله خلق وهو من تكوين الله تعالى ولا عبرة بما قد يقارن بعض ذلك الإيجاد من علاج الناس كالتزويج وإلقاء الحب والنوى في الأرض للإنبات فالإيجاد الذي هو الإخراج من العدم إلى الوجود بدون عمل بشري خص باسم الخلق في اصطلاح الشرع لأن لفظ الخلق هو أقرب الألفاظ في اللغة العربية دلالة على معنى الإيجاد من العدم الذي هو صفة الله تعالى وصار ذلك مدلول مادة خلق في اصطلاح أهل الإسلام فلذلك خص إطلاقه في لسان الإسلام بالله تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) وقال ( هل من خالق غير الله ) وخص اسم الخالق به تعالى فلا يطلق على غيره ولو أطلقه أحد على غير الله تعالى بنلء على الحقيقة اللغوية لكان إطلاقه عجرفة فيجب أن ينبه على تركه . وقال الغزالي في المقصد الأسني : لا حظ للعبد في اسمه تعالى الخالق إلا بوجه من المجاز بعيد فإذا بلغ في سياسة نفسه وسياسة الخلق مبلغا ينفرد فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم " أي الخالق " عليه مجازا اه . فجعل جواز إطلاق فعل الخلق على اختراع بعض العباد مشروطا بهذه الحالة النادرة ومع ذلك جعله مجازا بعيدا فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى عليه السلام ( إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله ) وقول الله تعالى ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) فإن ذلك مراعى فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى . ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك قال تعالى ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) .
وجملة ( لعلكم تتقون ) تعليل للأمر باعبدوا فلذلك فصلت أي أمرتكم بعبادته لرجاء منكم أن تتقوا .
A E