و ( لعل ) حرف يدل على الرجاء . والرجاء هو الإخبار عن تهئ وقوع أمر في المستقبل وقوعا مؤكدا . فتبين أن لعل حرف مدلوله خبري لأنها إخبار عن تأكد حصول الشيء ومعناها مركب من رجاء المتكلم في المخاطب وهو معنى جزئي حرفي وقد شاع عند المفسرين وأهل العلوم الحيرة في محمل لعل الواقعة من كلام الله تعالى لأن معنى الترجي يقتضي عدم الجزم بوقوع المرجو عند المتكلم فللشك جانب في معناها حتى قال الجوهري " لعل كلمة شك " وهذا لا يناسب علم الله تعالى بأحوال الأشياء قبل وقوعها ولأنها قد وردت في أخبار مع عدم حصول المرجو لقوله تعالى ( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ) مع أنهم لم يتذكروا كما بينته الآيات من بعد .
ولهم في تأويل لعل الواقعة في كلام الله تعالى وجوه : أحدها قال سيبويه " لعل على بابها والترجي أو التوقع إنما هو في حيز المخاطبين اه . " يعني أنها للإخبار بأن المخاطب يكون مرجوا واختاره الرضي قائلا لأن الأصل أن لا تخرج عن معناها بالكلية . وأقول لا يعني سيبويه أن ذلك معنى أصل لها ولكنه يعني أنها مجاز قريب من معنى الحقيقة لوقوع التعجيز في أحد جزأي المعنى الحقيقي لأن الرجاء يقتضي راجيا ومرجوا منه فحرف الرجاء دال على معنى فعل الرجاء إلا أنه معنى جزئي وكل من الفاعل والمفعول مدلول لمعنى الفعل بالالتزام فإذا دلت قرينة على تعطيل دلالة حرف الرجاء على فاعل الرجاء لم يكن في الحرف أو الفعل تمجز أذ المجاز إنما يتطرق للمدلولات اللغوية لا العقلية وكذلك إذا لم يحصل الفعل المرجو .
ثانيها أن لعل للإطماع تقول : للقاصد لعلك تنال بغيتك قال الزمخشري " وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن " . والإطماع أيضا معنى مجازي للرجاء لأن الرجاء يلزمه التقريب والتقريب يستلزم الإطماع فالإطماع لازم بمرتبتين .
ثالثها أنها للتعليل بمعنى كي قاله قطرب وأبو على الفارسي وابن الأنباري ؛ وأحسب أن مرادهم هذا المعنى في المواقع التي لا يظهر فيها معنى الرجاء فلا يرد عليهم أنه لا يطرد في نحو قوله ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) لصحة معنى الرجاء بالنسبة للمخاطب . ولا يرد عليهم أيضا أنه إثبات معنى في ( لعل ) لا يوجد له شاهد من كلام العرب وجعله الزمخشري قولا متفرعا على قول من جعلها للإطماع فقال " ولأنه إطماع من كريم إذا أطمع فعل " قال من قال : إن لعل بمعنى كي " يعني فهو معنى مجازي ناشئ عن مجاز آخر فهو من تركيب المجاز على اللزوم بثلاث مراتب .
رابعها ما ذهب إليه صاحب الكشاف أنها استعارة فقال " ولعل واقعة في الآية موقع المجاز لأن الله تعالى خلق عباده ليتعبدهم ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل . ومصداقه قوله تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) وإنما يبلي ويختبر من تخفى عنه العواقب ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار . فكلام الكشاف يجعل لعل في كلامه تعالى استعارة تمثيلية لأنه جعلها تشبيه هيئة مركبة من شأن المزيد والمراد منه والإرادة بحال مركبة من الراجي والمرجو منه والرجاء فاستعير المركب الموضوع للرجاء لمعنى المركب الدال على الإرادة .
A E