وعندي وجه آخر مستقل وهو " أن لعل الواقعة في مقام تعليل أمر أو نهي لها استعمال يغاير استعمال لعل المستأنفة في الكلام سواء وقعت في كلام الله أم في غيره فإذا قلت افتقد فلانا لعلك تنصحه كان إخبارا باقتراب وقوع الشيء وأنه في حيز الإمكان إن تم ما علق عليه فأما اقتضاؤه عدم جزم المتكلم بالحصول فذلك معنى التزامي أغلبي قد يعلم انتفاؤه بالقرينة وذلك الانتفاء في كلام الله أوقع فاعتقادنا بأن كل شيء لم يقع أو لا يقع في المستقبل هو القرينة على تعطيل هذا المعنى الالتزامي دون احتياج إلى التأويل في معنى الرجاء الذي تفيده لعل حتى يكون مجازا أو استعارة لأن لعل إنما أتى بها لأن المقام يقتضي معنى الرجاء فالتزام تأويل هذه الدلالة في كل موضع في القرآن تعطيل لمعنى الرجاء الذي يقتضيه المقام والجماعة لجأوا إلى التأويل لأنهم نظروا إلى لعل بنظر متحد في مواقع استعمالها بخلاف لعل المستأنفة فإنها أقرب إلى إنشاء الرجاء منها إلى الإخبار به . وعلى كل فمعنى لعل غير معنى أفعال المقاربة " .
والتقوى هي الحذر مما يكره وشاعت عند العرب والمتدينين في أسبابها وهو حصول صفات الكمال التي يجمعها التدين وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى ( هدى للمتقين ) .
ولما كانت التقوى نتيجة العبادة جعل رجاؤها أثرا للأمر بالعبادة وتقدم عند قوله تعالى ( هدى للمتقين ) . فالمعنى اعبدوا ربكم رجاء أن تتقوا فتصبحوا كاملين متقين فإن التقوى هي الغاية من العبادة فرجاء حصولها عند الأمر بالعبادة وعند عبادة العابد أو عند إرادة الخلق والتكوين واضح الفائدة .
( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) يتعين أن قوله ( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) صفة ثانية للرب لأن مساقها مساق قوله ( الذي خلقكم ) والمقصود الإيماء إلى سبب آخر لاستحقاقه العبادة وإفراده بها فإنه لما أوجب عبادته أنه خالق الناس كلهم أتبع ذلك بصفة أخرى تقتضي عبادتهم إياه وحده وهي نعمه المستمرة عليهم مع ما فيها من دلائل عظيم قدرته فإنه مكن لهم سبل العيش وأولها المكان الصالح للاستقرار عليه بدون لغوب فجعله كالفراش لهم ومن إحاطة هذا القرار بالهواء النافع لحياتهم والذي هو غذاء الروح الحيواني وذلك ما أشير إليه بقوله ( والسماء بناء ) وبكون تلك الكرة الهوائية واقية الناس من إضرار طبقات فوقها متناهية في العلو من زمهرير أو عناصر غريبة قاتلة خانقة فالكرة الهوائية جعلت فوق هذا العالم فهي كالبناء له ونفعها كنفع البناء فشبهت به على طريقة التشبيه البليغ وبأن أخرج للناس ما فيه إقامة أود حياتهم باجتماع ماء السماء مع قوة الأرض وهو الثمار .
والمراد بالسماء هنا إطلاقها العرفي عند العرب وهو ما يبد وللناظر كالقبة الزرقاء وهو كرة الهواء المحيط بالأرض كما هو المراد في قوله ( أو كصيب من السماء ) وهذا هو المراد الغالب إذا أطلق السماء بالإفراد دون الجمع .
ومعنى جعل الأرض فراشا أنها كالفراش في التمكن من الاستقرار والاضطجاع عليها وهو أخص أحوال الاستقرار . والمعني أنه جعلها متوسطة بين شدة الصخور بحيث تؤلم جلد الإنسان وبين رخاوة الحمأة بحيث يتزحزح الكائن فوقها ويسوخ فيها وتلك منة عظيمة .
وأما وجه شبه السماء بالبناء فهو أن الكرة الهوائية جعلها الله حاجزة بين الكرة الأرضية وبين الكرة الأثيرية . فهي كالبناء فيما يراد له البناء وهو الوقاية من الأضرار النازلة فإن للكرة الهوائية دفعا لأضرار أظهرها دفع ضرر طغيان مياه البحار على الأرض ودفع أضرار بلوغ أهوية تندفع عن بعض الكواكب إلينا وتلطيفها حتى تختلط بالهواء أو صد الهواء إياها عنا مع ما في مشابهة الكرة الهوائية لهيئة القبة والقبة بيت من أدم مقبب وتسمى بناء والبناء في كلام العرب ما يرفع سمكه على الأرض للوقاية سواء كان من حجر أو من أدم أو من شعر ومنه قولهم : بنى على امرأته إذا تزوج لأن المتزوج يجعل بيتا يسكن فيه مع امرأته وقد اشتهر إطلاق البناء من أدم ولذلك سموا الأدم الذي تبنى منه القباب مبناة بفتح الميم وكسرها وهذا كقوله في سورة الأنبياء ( وجعلنا السماء سقفا محفوظا ) .
A E