فإن قلت يقتضي كلامك هذا أن الامتنان بجعل السماء كالبناء لوقاية الناس من قبيل المعجزات العلمية التي أشرت إليها في المقدمة العاشرة وذلك لا يدركه إلا الأجيال التي حدثت بعد زمان النزول فماذا يكون حظ المسلمين وغيرهم الذين نزلت بينهم الآية ( والذين جاءوا من بعدهم ) في عدة أجيال فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يشعرون بأن للسماء خاصية البناء في الوقاية وغاية ما كانوا يتخيلونه أن السماء تشبه سقف القبة كما قالت الأعرابية حين سئلت عن معرفة النجوم : أيجهل أحد خرزات معلقة في سقفه . فتتمخض الآية لإفادة العبرة بذلك الخلق البديع إلا أنه ليس فيه حظ من الامتنان الذي أفاده قوله ( لكم ) فهل نخص تعلقه بفعل جعل المصرح به دون تعلقه بالفعل المطوي تحت واو العطف أو بجعله متعلقا بقوله ( فراشا ) فيكون قوله ( والسماء بناء ) معطوفا على معمول فعل الجعل المجرد عن التقييد بالمتعلق .
قلت : هذا يفضي إلى التحكم في تعلق قوله ( لكم ) تحكما لا يدل عليه دليل للسامع بل الوجه أن يجعل لكم متعلقا بفعل ( جعل ) ويكفي في الامتنان بخلق السماء إشعار السامعين لهذه الآية بأن في خلق السماء على تلك الصفة ما في إقامة البناء من الفوائد على الإجمال ليفرضه السامعون على مقدار قرائحهم وأفهامهم ثم يأتي تأويله في قابل الأجيال .
وحذف ( لكم ) عند ذكر السماء إيجازا لأن ذكره في قوله ( جعل لكم الأرض فراشا ) دليل عليه .
و ( جعل ) إن كانت بمعنى أوجد فحمل الامتنان هو إن كانتا على هذه الحالة وإن كانت بمعنى صير فهي دالة على أن الأرض والسماء قد انتقلتا من حال إلى حال حتى صارتا كما هما . وصار أظهر في معنى الانتقال من صفة إلى صفة وقواعد علم طبقات الأرض " الجيولوجيا " تؤذن بهذا الوجه الثاني فيكون في الآية منتان وعبرتان في جعلهما على ما رأينا وفي الأطوار التي انتقلتا فيهما بقدرة الله تعالى وإذنه فيكون كقوله تعالى ( أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) إلى قوله ( وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ) .
وقد امتن الله وضرب العبرة بأقرب الأشياء وأظهرها لسائر الناس حاضرهم وباديهم وبأول الأشياء في شروط هذه الحياة . وفيهما أنفع الأشياء وهما الهواء والماء النابع من الأرض وفيهما كانت أول منافع البشر وفي تخصيص الأرض والسماء بالذكر نكتة أخرى وهي التمهيد لما سيأتي من قوله ( وأنزل من السماء ماء ) إلخ . وابتدأ بالأرض لأنها أول ما يخطر ببال المعتبر ثم بالسماء لأنه بعد أن ينظر لما بين يديه ينظر إلى ما يحيط به .
وقوله ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به ) الخ هذا امتنان بما يلحق الإيجاد مما يحفظه من الاختلال وهو خلفه لما تتلفه الحرارة الغريزية والعمل العصبي والدماغي من القوة البدنية ليدوم قوام البدن بالغذاء وأصل الغذاء هو ما يخرج من الأرض وإنما تخرج الأرض النبات بنزول الماء عليها من السماء أي من السحاب والطبقات العليا .
A E