وجعل لفظ سورة اسما جنسيا لأجزاء من القرآن اصطلاح جاء به القرآن . وهي مشتقة من السور وهو الجدار الذي يحيط بالقرية أو الحظيرة فاسم السورة خاص بالأجزاء المعينة من القرآن دون غيره من الكتب وقد تقدم تفصيله في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير وإنما كان التحدي بسورة ولم يكن بمقدار سورة من آيات القرآن لأن من جملة وجوه الإعجاز أمورا لا تظهر خصائصها إلا بالنظر إلى كلام مستوفي في غرض من الأغراض وإنما تنزل سور القرآن في أغراض مقصودة فلا غنى عن مراعاة الخصوصيات المناسبة لفواتح الكلام وخواتمه بحسب الغرض واستيفاء الغرض المسوق له الكلام وصحة التقسيم ونكت الإجمال والتفصيل وأحكام الانتقال من فن إلى آخر من فنون الغرض ومناسبات الاستطراد والاعتراض والخروج والرجوع وفصل الجمل ووصلها والإيجاز والإطناب ونحو ذلك مما يرجع إلى نكت مجموع نظم الكلام وتلك لا تظهر مطابقتها جلية إلا إذا تم الكلام واستوفى الغرض حقه فلا جرم كان لنظم القرآن وحسن سبكه إعجاز يفوت قدرة البشر هو غير الإعجاز الذي لجمله وتراكيبه وفصاحة ألفاظه . فكانت السورة من القرآن بمنزلة خطبة الخطيب وقصيدة الشاعر لا يحكم لها بالتفوق إلا باعتبارات مجموعها بعد اعتبار أجزائها . قال الطيبي في حاشية الكشاف عند قوله تعالى ( فلم تقتلوهم ) في سورة الأنفال ولسر النظم القرآني كان التحدي بالسورة وإن كانت قصيرة دون الآيات وإن كانت ذوات عدد .
والتنكير للإفراد أو النوعية . أي بسورة واحدة من نوع السور وذلك صادق بأقل سورة ترجمت باسم يخصها وأقل السور عدد آيات سورة الكوثر . وقد كان المشركون بالمدينة تبعا للمشركين بمكة وكان نزول هذه السورة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة فكان المشركون كلهم ألبا على النبي A يتداولون الإغراء بتكذيبه وصد الناس عن اتباعه فأعيد لهم التحدي بإعجاز القرآن الذي كان قد سبق تحديهم به في سورة يونس وسورة هود وسورة الإسراء . وقد كان التحدي أولا بالإتيان بكتاب مثل ما نزل منه ففي سورة الإسراء ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) . فلما عجزوا استنزلوا إلى الإتيان " بعشر سور مثله " في سورة هود . ثم استنزلوا إلى الإتيان بسورة مثله في سورة يونس .
والمثل أصله المثيل والمشابه تمام المشابهة فهو في الأصل صفة يتبع موصوفا ثم شاع إطلاقه على الشيء المشابه المكافئ .
والضمير في قوله ( من مثله ) يجوز أن يعود إلى ( ما نزلنا ) أي من مثل القرآن ويجوز أن يعود إلى ( عبدنا ) فإن أعيد إلى ( ما نزلنا ) أي من مثل القرآن فالأظهر أن من ابتدائية أي سورة مأخوذة من مثل القرآن أي كتاب مثل القرآن والجار والمجرور صفة لسورة ويحتمل أن تكون ( من ) تبعيضية أو بيانية أو زائدة . وقد قيل بذلك كله وهي وجوه مرجوحة وعلى الجميع فالجار والمجرور صفة لسورة أي هي بعض مثل ما نزلنا ومثل اسم حينئذ بمعنى المماثل أو سورة مثل ما نزلنا و ( مثل ) صفة على احتمالي كون من بيانية أو زائدة وكل هذه الأوجه تقتضي أن المثل سواء كان صفة أو اسما فهو مثل مقدر بناء على اعتقادهم وفرضهم ولا يقتضي أن هذا المثل موجود لأن الكلام مسوق مساق التعجيز . وإن أعيد الضمير لعبدنا فمن لتعدية فعل ائتوا وهي ابتدائية وحينئذ فالجار والمجرور ظرف لغو غير مستقر . ويجوز كون الجار والمجرور صفة لسورة على أنه ظرف مستقر والمعنى فيهما ائتوا بسورة منتزعة من رجل مثل محمد في الأمية ولفظ مثل إذن اسم .
A E
