وقد تبين لك أن لفظ مثل في الآية لا يحتمل أن يكون المراد به الكناية عن المضاف إليه على طريقة قوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) بناء على أن لفظ مثل كناية عن المضاف إليه إذ لا يستقيم المعنى أن يكون التقدير فأتوا بسورة من القرآن أو من محمد خلافا لمن توهم ذلك من كلام الكشاف وإنما لفظ مثل مستعمل في معناه الصريح إلا أنه أشبه المكنى به عن نفس المضاف هو إليه من حيث إن المثل هنا على تقدير الاسمية غير متحقق الوجود إلا أن سبب انتفاء تحققه هو كونه مفروضا فإن كون الأمر للتعجيز يقتضي تعذر المأمور فليس شيء من هاته الوجوه بمقتض وجود مثل للقرآن حتى يراد به بعض الوجوه كما توهمه التفتزاني . وعندي أن الاحتمالات التي احتملها قوله ( من مثله ) كلها مرادة لرد دعاوي المكذبين في اختلاف دعاويهم فإن منهم من قال : القرآن كلام بشر ومنهم من قال : هو مكتتب من أساطير الأولين ومنهم من قال : إنما يعلمه بشر . وهاته الوجوه في معنى الآية تفند جميع الدعاوي فإن كان كلام بشر فأتوا بمماثلة أو بمثله وإن كان من أساطير الأولين فأتوا أنتم بجزء من هذه الأساطير وإن كان يعلمه فأتوا أنتم من عنده بسورة فما هو ببخيل عنكم إن سألتموه . وكل هذا إرخاء لعنان المعارضة وتسجيل للإعجاز عند عدمها . فالتحدي على صدق القرآن هو مجموع مماثلة القرآن في ألفاظه وتراكيبه ومماثلة الرسول المنزل عليه في أنه أمي لم يسبق له تعليم ولا يعلم الكتب السالفة قال تعالى ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ) . فذلك معنى المماثلة فلو أتوا بشيء من خطب أو شعر بلغائهم غير مشتمل على ما يشتمل عليه القرآن من الخصوصيات لم يكن ذلك إتيانا بما تحداهم به ولو أتوا بكلام مشتمل على معان تشريعية أو من الحكمة من تأليف رجل عالم حكيم لم يكن ذلك إتيانا بما تحداهم به . فليس في جعل من ابتدائية إيهام إجزاء أن يأتوا بشيء من كلام بلغائهم لأن تلك مماثلة غير تامة .
وقوله تعالى ( وادعوا شهداءكم من دون الله ) معطوف على ( فأتوا بسورة ) أي ائتوا بها وادعوا شهداءكم . والدعاء يستعمل بمعنى طلب حضور المدعو وبمعنى استعطافه وسؤاله لفعل ما قال أبو فراس يخاطب سيف الدولة ليفديه من أسر ملك الروم : .
دعوتك للجفن القريح المسهد ... لدي وللنوم الطريد المشرد والشهداء جمع شهيد فعيل بمعنى فاعل من شهد إذا حضر وأصله الحاضر قال تعالى ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) ثم استعمل هذا اللفظ فيما يلازمه الحضور مجازا أو كناية لا بأصل وضع اللفظ وأطلق على النصير على طريقة الكناية فإن الشاهد يؤيد قول المشهود فينصره على معارضه ولا يطلق الشهيد على الإمام والقدوة وأثبته البيضاوي ولا يعرف في كتب اللغة ولا في كلام المفسرين . ولعله انجز إليه من تفسير الكشاف لحاصل معنى الآية فتوهمه معنى وضعيا فالمراد هنا ادعوا آلهتكم بقرينة قوله ( من دون الله ) أي ادعوهم من دون الله كدأبكم في الفزع إليهم عند مهماتكم معرضين بدعائهم واستنجادهم عن دعاء الله واللجأ إليه ففي الآية إدماج توبيخهم على الشرك في أثناء التعجيز عن المعارضة وهذا الإدماج من أفانين البلاغة أن يكون مراد البليغ غرضين فيقرن الغرض المسوق له الكلام بالغرض الثاني وفيه تظهر مقدرة البليغ إذ يأتي بذلك الاقتران بدون خروج عن غرضه المسوق له الكلام ولا تكلف .
قال الحرث بن حلزة : .
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء فإن قوله رب ثاو عند ذكر بعد الحبيبة والتحسر منه كناية عن أن ليست هي من هذا القبيل الذي يمل ثواؤه . وقد قضى بذلك حق إرضائها بأنه لا يحفل بإقامة غيرها وقد عد الإدماج من المحسنات البديعة وهو جدير بأن يعد في الأبواب البلاغية في مبحث الإطناب أو تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر . فإن آلهتهم أنصار لهم في زعمهم .
A E