ويجوز أن يكون المراد ادعوا نصراءكم من أهل البلاغة فيكون تعجيزا للعامة والخاصة . وادعوا من يشهد بمماثلة ما أتيتم به لما نزلنا على نحو قوله تعالى ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) ويكون قوله ( من دون الله ) على هذه الوجوه حالا من الضمير في ادعوا أو من شهداءكم أي في حال كونكم غير داعين لذلك الله أو حال كون الشهداء غير الله بمعنى اجعلوا جانب الله الذي أنزل الكتاب كالجانب المشهود عليه فقد أذناكم بذلك تيسيرا عليكم لأن شدة تسجيل العجز تكون بمقدار تيسير أسباب العمل وجوز أن يكون دون بمعنى أمام وبين يدي يعني ادعوا شهداءكم بين يدي الله واستشهد له بقول الأعشى : .
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق كما جوز أن يكون من دون الله بمعنى من دون حزب الله وهم المؤمنون أي أحضروا شهداء من الذين هم على دينكم فقد رضيناهم شهودا فإن البارع في صناعة لا يرضى بأن يشهد بتصحيح فاسدها وعكسه إباءة أن ينسب إلى سوء المعرفة أو الجور وكلاهما لا يرضاه ذو المروءة وقديما كانت العرب تتنافر وتتحاكم إلى عقلائها وحكامها فما كانوا يحفظون لهم غلطا أو جورا . وقد قال السموأل : .
إنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل .
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلظ دون الحق بالباطل .
نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل وعلى هذا التفسير يجيء قول الفقهاء إن شهادة أهل المعرفة بإثبات العيوب أو بالسلامة لا تشترط فيها العدالة وكنت أعلل ذلك في دروس الفقه بأن المقصود من العدالة تحقق الوازع عن شهادة الزور وقد قام الوازع العلمي في شهادة أهل المعرفة مقام الوازع الديني لأن العارف حريص ما استطاع أن لا يؤثر عنه الغلط والخطأ وكفى بذلك وازعا عن تعمده وكفى بعلمه مظنة لإصابة الصواب فحصل المقصود من الشهادة .
وقوله ( إن كنتم صادقين ) اعتراض في آخر الكلام وتذييل . أتى بإن الشرطية التي الأصل في شرطها أن يكون غير مقطوع بوقوعه لأن صدقهم غير محتمل الوقوع وإن كنتم صادقين في أن القرآن كلام بشر وإنكم أتيتم بمثله . والصدق ضد الكذب وهما وصفان للخبر لا يخلو عن أحدهما فالصدق أن يكون مدلول الكلام الخبري مطابقا ومماثلا للواقع في الخارج أي في الوجود الخارجي احترازا عن الوجود الذهني . والكذب ضد الصدق وهو أن يكون مدلول الكلام الخبري غير مطابق أي غير مماثل للواقع في الخارج . والكلام موضوع للصدق وأما الكذب فاحتمال عقلي والإنشاء لا يوصف بصدق ولا كذب إذ لا معنى لمطابقته لما في نفس الأمر لأنه إيجاد للمعنى لا للأمور الخارجية . هذا معنى الصدق والكذب في الإطلاق المشهور وقد يطلق الكذب صفة ذم فيلاحظ في معناه حينئذ أن مخالفته للواقع كانت عن تعمد فتوهم الجاحظ أن ماهية الكذب تتقوم من عدم مطابقة الخبر للواقع وللاعتقاد معا وسرى هذا التقوم إلى ماهية الصدق فجعل قوامها المطابقة للخارج والاعتقاد معا ومن هنا أثبت الواسطة بين الصدق والكذب . وقريب منه قول الراغب ويشبه أن يكون الخلاف لفظيا ومحل بسطه في علمي الأصول والبلاغة . والمعنى إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن كلام بشر فحذف متعلق صادقين لدلالة ما تقدم عليه وجواب الشرط محذوف تدل عليه جملة مقدرة بعد جملة ( وادعوا شهداءكم من دون الله ) إذ التقدير فتأتون بسورة من مثله ودل على الجملة المقدرة قوله قبلها ( فأتوا بسورة من مثله ) وتكون الجملة المقدرة دليلا على جواب الشرط فتصير جملة إن كنتم صادقين تكريرا للتحدي . وفي هذه الآية إثارة لحماسهم إذ عرض بعدم صدقهم فتتوفر دواعيهم على المعارضة .
1 3 - ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين [ 24 ] ) تفريع على الشرط وجوابه أي فإن لم تأتوا بسورة أو أتيتم بما زعمتم أنه سورة ولم يستطع ذلك شهداؤكم على التفسيرين فاعلموا أنكم اجترأتم على الله بتكذيب رسوله المؤيد بمعجزة القرآن فاتقوا عقابه المعد لأمثالكم
