ومفعول ( تفعلوا ) محذوف يدل عليه السياق أي فإن لم تفعلوا ذلك أي الإتيان بسورة مثله وسيأتي الكلام على حذف المفعول في مثله عند قوله تعالى ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته ) في سورة المائدة .
وجيء بإن الشرطية التي الأصل فيها عدم القطع مع أن عدم فعلهم هو الأرجح بقرينة مقام التحدي والتعجيز ؛ لأن القصد إظهار هذا الشرط في صورة النادر مبالغة في توفير دواعيهم على المعارضة بطريق الملاينة والتحريض واستقصاء لهم في إمكانها وذلك من استنزال طائر الخصم وقيد لأوابد مكابرته ومجادلة له بالتي هي أحسن حتى إذا جاء للحق وأنصف من نفسه يرتقي معه في درجات الجدل ؛ ولذلك جاء بعده ( ولن تفعلوا ) كأن المتحدي يتدبر في شأنهم ويزن أمرهم فيقول أولا ائتوا بسورة ثم يقول قدروا أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله وأعدوا لهاته الحالة مخلصا منها ثم يقول ها قد أيقنت وأيقنتم أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله . مع ما في هذا من توفير دواعيهم على المعارضة بطريق المخاشنة والتحذير .
ولذلك حسن موقع لن الدالة على نفي المستقبل فالنفي بها آكد من النفي بلا ولهذا قال سيبوية لا لنفي يفعل ول لنفي سيفعل فقد قال الخليل إن لن حرف مختزل من لا النافية وأن الاستقبالية وهو رأي حسن وإذا كانت لنفي المستقبل تدل على النفي المؤيد غالبا لأنه لما لم يوقت بحد من حدود المستقبل دل على استغراق أزمنته إذ ليس بعضها أولى من بعض ومن أجل ذلك قال الزمخشري بإفادتها التأييد حقيقة أو مجازا وهو التأكيد وقد استقريت مواقعها في القرآن وكلام العرب فوجدتها لا يؤتى بها إلا في مقام إرادة النفي المؤكد أو المؤبد . وكلام الخليل في أصل وضعها يؤيد ذلك فمن قال من النحاة أنها لا تفيد تأكيدا ولا تأبيدا فقد كابر .
وقوله ( ولن تفعلوا ) من أكبر معجزات القرآن فإنها معجزة من جهتين : الأولى أنها أثبتت أنهم لم يعارضوا لأن ذلك أبعث لهم على المعارضة لو كانوا قادرين وقد تأكد ذلك كله بقوله قبل إن كنتم صادقين وذلك دليل العجز عن الإتيان بمثله فيدل على أنه كلام من قدرته فوق طوق البشر . الثانية أنه أخبر بأنهم لا يأتون بذلك في المستقبل فما أتى أحد منهم ولا ممن خلفهم بما يعارض القرآن فكانت هاته الآية معجزة من نوع الإعجاز بالإخبار عن الغيب مستمرة على تعاقب السنين فإن آيات المعارضة الكثيرة في القرآن قد قرعت بها أسماع المعاندين من العرب الذين أبوا تصديق الرسول وتواترت بها الأخبار بينهم وسارت بها الركبان بحيث لا يسع ادعاء جهلها ودواعي المعارضة موجودة فيهم : ففي خاصتهم بما يأنسونه من تأهلهم لقول الكلام البليغ وهم شعراؤهم وخطباؤهم . وكانت لهم مجامع التقاول ونوادي التشاور والتعاون وفي عامتهم وصعاليكهم بحرصهم على حث خاصتهم لدفع مسبة الغلبة عن قبائلهم ودينهم والانتصار لآلهتهم وإيقاف تيار دخول رجالهم في دين الإسلام . مع ما عرف به العربي من إباءة الغلبة وكراهة الاستكانة . فما أمسك الكافة عن الإتيان بمثل القرآن إلا لعجزهم عن ذلك وذلك حجة على أنه منزل من عند الله تعالى ولو عارضه واحد أو جماعة لطاروا به فرحا وأشاعوه وتناقلوه فإنهم اعتادوا تناقل أقوال بلغائهم من قبل أن يغريهم التحدي فما ظنك بهم لو ظفروا بشيء منه يدفعون به عنهم هذه الاستكانة وعدم العثور على شيء يدعى من ذلك يوجب اليقين بأنهم أمسكوا عن معارضته وسنبين ذلك بالتفصيل في آخر تفسير هذه الآية .
وتفعلوا الأول مجزوم بلم لا محالة لأن إن الشرطية دخلت على الفعل بعد اعتباره منفيا فيكون معنى الشرط متسلطا على لم وفعلها فظهر أن ليس هذا متنازع بين إن ولم في العمل في تفعلوا لاختلاف المعنيين فلا يفرض فيه الاختلاف الواقع بين النحاة في صحة تنازع الحرفين معمولا واحدا كما توهمه ابن العلج أحد نحاة الأندلس نسبه إليه في التصريح على التوضيح على أن الحق أنه لا مانع منه مع اتحاد الاقتضاء من حيث المعنى وقد أخذ جوازه من كلام أبي علي الفارسي في المسائل الدمشقيات ومن كتاب التذكرة له أنه جعل قول الراجز : .
حتى تراها وكأن وكأن ... أعناقها مشرفات في قرن A E من قبيل التنازع بين كأن المشددة وكأن المخففة
