وقوله ( فاتقوا النار ) أثر لجواب الشرط في قوله ( فإن لم تفعلوا ) دل على جمل محذوفة للإيجاز لأن جواب الشرط في المعنى هو ما جيء بالشرط لأجله وهو مفاد قوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فتقدير جواب قوله فإن لم تفعلوا أنه " فأيقنوا بأن ما جاء به محمد منزل من عندنا وأنه صادق فيما أمركم به من وجوب عبادة الله وحده واحذروا إن لم تمتثلوا أمره عذاب النار " فوقع قوله فاتقوا النار موقع الجواب لدلالته عليه وإيذائه به وهو إيجاز بديع وذلك أن اتقاء النار لم يكن مما يؤمنون به من قبل لتكذيبهم بالبعث فإذا تبين صدق الرسول لزمهم الإيمان بالبعث والجزاء . وإنما عبر بلم تفعلوا ولن تفعلوا دون فإن لم تأتوا بذلك ولن تأتوا كما في قوله تعالى ( قال أيتوني بأخ لكم من أبيكم ) إلى قوله ( فأن لم تأتوني به ) إلخ لأن في لفظ تفعلوا هنا من الإيجاز ما ليس مثله في الآية الأخرى إذ الإتيان المتحدى به في هذه الآية إتيان مكيف بكيفية خاصة وهي كون المأتي به مثل هذا القرآن ومشهودا عليه ومستعانا عليه بشهدائهم فكان في لفظ تفعلوا من الإحاطة بتلك الصفات والقيود إيجاز لا يقتضيه الإتيان الذي في سورة يوسف .
والوقود بفتح الواو اسم لما يوقد به وبالضم مصدر وقيل بالعكس وقال ابن عطية حكى الضم والفتح في كل من الحطب والمصدر . وقياس فعول بفتح الفاء أنه اسم لما يفعل به كالوضوء والحنوط والسعوط والوجور إلا سبعة ألفاظ وردت بالفتح للمصدر وهي الولوع والقبول والوضوء والطهور والوزوع واللغوب والوقود . والفتح هنا هو المتعين لأن المراد الاسم وقرئ بالضم في الشاذ وذلك على اعتبار الضم مصدرا أو على حذف مضاف أي ذوو وقودها الناس .
والناس أريد به صنف منهم وهم الكافرون فتعريفه تعريف الاستغراق العرفي ويجوز أن يكون تعريف العهد لأن كونهم المشركين قد علم من آيات أخرى كثيرة .
والحجارة جمع حجر على غير قياس وهو وزن نادر في كلامهم جمعوا حجرا عن أحجار وألحقوا به هاء التأنيث قال سيبوية كما ألحقوها بالبعولة والفحولة . وعن أبي الهيثم أن العرب تدخل الهاء في كل جمع على فعال أو فعول لأنه إذا وقف عليه اجتمع فيه عند الوقف ساكنان أحدهما الألف الساكنة والثاني الحرف الموقوف عليه أي استحسنوا أن يكون خفيفا إذا وقفوا عليه وليس هو من اجتماع الساكنين الممنوع ومن ذلك عظامة ونفارة وفحالة وحبالة وذكارة وفحولة وحمولة " جموعا " وبكارة جمع بكر " بفتح الباء " ومهارة جمع مهر ومعنى وقودها الحجارة أن الحجر جعل لها مكان الحطب لأنه إذا اشتعل صار أشد إحراقا وأبطأ انطفاء ومن الحجارة أصنامهم فإنها أحجار وقد جاء ذلك صريحا في قوله تعالى ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) وفي هذه الآية تعريض بتهديد المخاطبين والمعنى المعرض به فاحذروا أن تكونوا أنتم وما عبدتم وقود النار وقرينة التعريض قوله ( فاتقوا ) وقوله ( والحجارة ) لأنهم لما أمروا باتقائها أمر تحذير علموا أنهم هم الناس وإما ذكرت الحجارة علموا أنها أصنامهم فلزم أن يكون الناس هم عباد تلك الأصنام فالتعريض هنا متفاوت فالأول منه بواسطة واحدة والثاني بواسطتين .
وحكمة إلقاء حجارة الأصنام في النار مع أنها لا تظهر فيها حكمة الجزاء أن ذلك تحقير لها وزيادة إظهار خطإ عبدتها فيما عبدوا وتكرر لحسرتهم على إهانتها وحسرتهم أيضا على أن كان ما أعدوه سببا لعزهم وفخرهم سببا لعذابهم وما أعدوه لنجاتهم سببا لعذابهم قال تعالى ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) الآية .
A E
