وجعل جملة ( وبشر ) معطوفة على مجموع الجمل المسوقة لبيان وصف عقاب الكافرين يعني جميع الذي فصل في قوله تعالى ( وإن كنتم في ريب ) إلى قوله ( أعدت للكافرين ) فعطف مجموع أخبار عن ثواب المؤمنين على مجموع أخبار عن عقاب الكافرين والمناسبة واضحة مسوغة لعطف المجموع على المجموع وليس هو عطفا لجملة معينة على جملة معينة الذي يطلب معه التناسب بين الجملتين في الخبرية والإنشائية ونظره بقولك : زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمرا بالعفو والإطلاق . وجعل السيد الجرجاني لهذا النوع من العطف لقب عطف القصة على القصة لأن المعطوف ليس جملة على جملة بل طائفة من الجمل على طائفة أخرى ونظيره في المفردات ما قيل إن الواو الأولى والواو الثالثة في قوله تعالى ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) ليستا مثل الواو الثانية لأن كل واحدة منهما لإفادة الجمع بين الصفتين المتقابلتين وأما الثانية فلعطف مجموع الصفتين المتقابلتين اللتين بعدها على مجموع الصفتين المتقابلتين اللتين قبلها ولو اعتبر عطف الظاهر وحده على إحدى السابقتين لم يكن هناك تناسب هذا حاصله وهو يريد أن الواو عاطفة جملة ذات مبتدأ محذوف وخبرين على جملة ذات مبتدأ ملفوظ به وخبرين فالتقدير وهو الظاهر والباطن وليس المراد أن المبتدأ فيها مقدر لإغناء حرف العطف عنه بل هو محذوف للقرينة أو المناسبة في عطف جملة الظاهر والباطن على جملة الأول والآخر . إنهما صفتان متقابلتان ثبتتا لموصوف واحد هو الذي ثبتت له صفتان متقابلتان أخريان .
قال السيد ولم يذكر صاحب المفتاح عطف القصة على القصة فتحير الجامدون على كلامه في هذا المقام وتوهموا أن مراد صاحب الكشاف هنا عطف الجملة على الجملة وأن الخبر المتقدم مضمن معنى الطلب أو بالعكس لتتناسب الجملتان مع أن عبارة الكشاف صريحة في غير ذلك وقصد السيد من ذلك إبطال فهم فهمه سعد الدين من كلام الكشاف وأودعه في شرحه المطول على التلخيص .
وجوز صاحب الكشاف أن يكون قوله ( وبشر ) معطوفا على قوله ( فاتقوا ) الذي هو جواب الشرط فيكون له حكم الجواب أيضا وذلك لأن الشرط وهو فإن لم تفعلوا سبب لهما لأنهم إذا عجزوا عن المعارضة فقد ظهر صدق النبي فحق اتقاء النار وهو الإنذار لمن دام على كفره وحقت البشارة للذين آمنوا . وإنما كان المعطوف على الجواب مخالفا له لأن الآية سيقت مساق خطاب للكافرين على لسان النبي فلما أريد ترتب الإنذار لهم والبشارة للمؤمنين جعل الجواب خطابا لهم مباشرة لأنهم المبتدأ بخطابهم وخطابا للنبي ليخاطب المؤمنين إذ ليس للمؤمنين ذكر في هذا الخطاب فلم يكن طريق لخطابهم إلا الإرسال إليهم .
وقد استضعف هذا الوجه بأن علماء النحو قرروا امتناع عطف أمر مخاطب على أمر مخاطب إلا إذا اقترن بالنداء نحو يا زيد واكتب يا عمرو وهذا لا نداء فيه .
وجوز صاحب المفتاح أن بشر معطوف على قل مقدرا قبل ( يأيها الناس اعبدوا ) وقال القزويني في الإيضاح إنه معطوف على مقدر بعد قوله ( أعدت للكافرين ) أي فأنذر الذين كفروا وكل ذلك تكلف لا داعي إليه إلا الوقوف عند ظاهر كلام النحاة مع أن صاحب الكشاف لم يعبأ به قال عبد الحكيم لأن منع النحاة إذا انتفت قرينة تدل على تغاير المخاطبين والنداء ضرب من القرينة نحو ( يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ) اه . يريد أن كل ما يدل على المراد بالخطاب فهو كاف وإنما خص النحاة النداء لأنه أظهر قرينة واختلاف الأمرين هنا بعلامة الجمع والإفراد دال على المراد وأيا ما كان فقد روعي في الجمل المعطوفة ما يقابل ما في الجمل المعطوف عليها فقوبل الإنذار الذي في قوله ( فاتقوا النار ) بالتبشير وقوبل الناس المراد به المشركون بالذين آمنوا وقوبل النار بالجنة فحصل ثلاثة طباقات .
والتبشير الإخبار بالأمر المحبوب فهو أخص من الخبر وقيد بعض العلماء معنى التبشير بأن يكون المخبر " بالفتح " غير عالم بذلك الخبر والحق أنه يكفي عدم تحقق المخبر " بالكسر " علم المخبر " بالفتح " فإن المخبر " بالكسر " لا يلزمه البحث عن علم المخاطب فإذا تحقق المخبر علم المخاطب لم يصح الإخبار إلا إذا استعمل الخبر في لازم الفائدة أو في توبيخ ونحوه .
والصالحات جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة فأصلها صفة جرت مجرى الأسماء لأنهم يقولون صالحة وحسنة ولا يقدرون موصوفا محذوفا قال الحطيئة : A E