كيف الهجاء وما تنفك صالحة ... من آل لأم بظهر الغيب تأتينا وكأن ذلك هو وجه تأنيثها للنقل من الوصفية للاسمية والتعريف هنا للاستغراق وهو استغراق عرفي يحدد مقداره بالتكليف والاستطاعة والأدلة الشرعية مثل كون اجتناب الكبائر يغفر الصغائر فيجعلها كالعدم .
فإن قلت لماذا لم يقل وعملوا الصالحة بالإفراد فقد قالوا إن استغراق المفرد أشمل من استغراق المجموع قلت تلك عبارة سرت إليهم من كلام صاحب الكشاف في هذا الموضع من تفسيره إذ قال " إذا دخلت لام الجنس على المفرد كان صالحا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه اه " . فاعتمدها صاحب المفتاح وتناقلها العلماء ولم يفصلوا بيانها .
ولعل سائلا يسأل عن وجه إتيان العرب بالجموع بعد أل الاستغراقية إذا كان المفرد مغنيا غناءها فأقول : إن أل المعرفة تأتي للعهد وتأتي للجنس مرادا به الماهية وللجنس مرادا به جميع أفراده التي لا قرار له في غيرها فإذا أرادوا منها الاستغراق نظروا فإن وجدوا قرينة الاستغراق ظاهرة من لفظ أو سياق نحو ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ) . ( وتؤمنون بالكتاب كله ) ( والملك على أرجائها ) اقتنعوا بصيغة المفرد لأنه الأصل الأخف وإن رأوا قرينة الاستغراق خفية أو مفقودة عدلوا إلى صيغة الجمع لدلالة الصيغة على عدة أفراد لا على فرد واحد ولما كان تعريف العهد لا يتوجه إلى عدد من الأفراد غالبا تعين أن تعريفها للاستغراق نحو ( والله يحب المحسنين ) لئلا يتوهم أن الحديث على محسن خاص نحو قولها ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) لئلا يتوهم أن الحديث عن خائن معين تعني نفسها فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق . وانتصب الصالحات على المفعول بع لعملوا على المعروف من كلام أئمة العربية وزعم ابن هشام في الباب السادس من مغنى اللبيب أن مفعول الفعل إذا كان لا يوجد إلا بوجود فعله كان مفعولا مطلقا لا مفعولا به فنحو ( عملوا الصالحات ) مفعول مطلق ونحو ( خلق الله السماوات ) كذلك واعتضد لذلك بأن ابن الحاجب في شرح المفصل زعم أن المفعول المطلق يكون جملة نحو قال زيد عمرو منطلق وكلام ابن هشام خطأ وكلام ابن الحاجب مثله وقد رده ابن هشام نفسه . والصواب أن المفعول المطلق هو مصدر فعله أو ما يجري مجراه .
والجنات جمع جنة والجنة في الأصل فعلة من جنه إذا ستره نقلوه للمكان الذي تكاثرت أشجاره والتف بعضها ببعض حتى كثر ظلها وذلك من وسائل التنعم والترفه عند البشر قاطبة لا سيما في بلد تغلب عليه الحرارة كبلاد العرب قال تعالى ( وجنات ألفافا ) .
والجري حقيقته سرعة شديدة في المشي ويطلق مجازا على سيل الماء سيلا متكررا متعاقبا وأحسن الماء ما كان جاريا غير قار لأنه يكون بذلك جديدا كلما اغترف منه شارب أو اغتسل مغتسل .
والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح والنهر الأخدود الجاري فيه الماء على الأرض وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع ويكون كبيرا وصغيرا . وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة ولأن الناظر يرى منظرا بديعا وشيئا لذيذا .
وأودع في النفوس حب ذلك فإما لأن الله تعالى أعد نعيم الصالحين في الجنة على نحو ما ألفته أرواحهم في هذا العالم فإن للإلف تمكنا من النفوس والأرواح بمرورها على هذا العالم عالم المادة اكتسبت معارف ومألوفات لم تزل تحن إليها وتعدها غاية المنى ولذا أعد الله لها النعيم الدائم في تلك الصور وإما لأن الله تعالى حبب إلى الأرواح هاته الأشياء في الدنيا لأنها على نحو ما ألفته في العوالم العليا قبل نزولها للأبدان لإلفها بذلك في عالم المثال وسبب نفرتها من أشكال منحرفة وذوات بشعة عدم إلفها بأمثالها في عوالمها . والوجه الأول الذي ظهر لي أراه أقوى في تعليل مجيء لذات الجنة على صور اللذات المعروفة في الدنيا وسينفعنا ذلك عند قوله تعالى ( وأتوا به متشابها ) .
A E
