ومعنى من تحتها من أسفلها والضمير عائد إلى الجنات باعتبار مجموعها المشتمل على الأشجار والأرض النابتة فيها ويجوز عود الضمير إلى الجنات باعتبار الأشجار لأنها أهم ما في الجنات وهذا القيد لمجرد الكشف فإن الأنهار لا تكون إلا كذلك ويفيد هذا القيد تصوير حال الأنهار لزيادة تحسين وصف الجنات كقول كعب بن زهير : .
شجت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول البيتين .
وقد أورد صاحب الكشاف توجيها لتعريف الأنهار ومخالفتها لتنكير جنات إما بأن يراد تعريف الجنس فيكون كالنكرة وإما بأن يراد من التعريف العهد إلا أنه عهد تقديري لأن الجنات لما ذكرت استحضر لذهن السامع لوازمها ومقارناتها فساغ للمتكلم أن يشير إلى ذلك المعهود فجيء باللام وهذا معنى قوله أو يراد أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة يريد أن المتكلم في مثل هذا المقام في حيرة بين أن يأتي بالأنهار معرفة بالإضافة للجنات وبين أن يعرفها بأل العهدية . عهدا تقديريا واختير الثاني تفاديا من كلفة الإضافة وتنبيها على أن الأنهار نعمة مستقلة جديرة بأن لا يكون التنعم بها تبعا للتنعم بالجنات وليس مراده أن أل عوض عن المضاف إليه على طريقة نحاة الكوفة لأنه قد أباه في تفسير قوله تعالى ( فأن الجحيم هي المأوى ) وإنما أراد أن الإضافة واللام متعاقبتان هنا وليس ذلك صالحا في كل موضع على أني أرى مذهب الكوفيين مقبولا وأنهم ما أرادوا إلا بيان حاصل المعنى من ذلك التعريف فإن تقدير المضاف إليه هو الذي جعل المضاف المذكور كالمعهود فأدخلت عليه لام التعريف العهدي .
وعندي أن الداعي إلى التعريف هو التفنن لئلا يعاد التنكير مرة ثانية فخولف بينهما في اللفظ اقتناعا بسورة التعريف .
وقوله ( من تحتها ) يظهر أنه يفيد كاشف قصد منه زيادة إحضار حالة جري الأنهار إذ الأنهار لا تكون في بعض الأحوال تجري من فوق فهذا الوصف جيء به لتصوير الحالة للسامع لقصد الترغيب وهذا من مقاصد البلغاء إذ ليس البليغ يقتصر على مجرد الإفهام وقريب من هذا قول النابغة يصف فرس الصائد وكلابه .
من حس أطلس تسعى تحته شرع ... كأن أحناكها السفلى مآشير والتحت اسم لجهة المكان الأسفل وهو ضد الأعلى . ولكل مكان علو وسفل ولا يقتضي ذلك ارتفاع ما أضيف إليه التحت على التحت بل غاية مدلوله أنه بجهة سفله قال تعالى حكاية عن فرعون ( وهذه الأنهار تجري من تحتي ) فلا حاجة إلى تأويل الجنة هنا بالأشجار لتصحيح التحت ولا إلى غيره من التكلفات .
( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خلدون [ 25 ] ) جملة ( كلما رزقوا ) يجوز أن تكون صفة ثانية ل ( جنات ) . ويجوز أن تكون خبرا عن مبتدأ محذوف وهو ضمير الذين أمنوا فتكون جملة ابتدائية الغرض منها بيان شأن آخر من شؤون الذين آمنوا ولكمال الاتصال بينها تبين جملة ( أن لهم جنات ) فصلت عنها كما تفصل الأخبار المتعددة .
وكلما ظرف زمان لأن كلا أضيفت إلى ما الظرفية المصدرية فصارت لاستغراق الأزمان المقيدة بصلة ما المصدرية وقد أشربت معنى الشرط لذلك فإن الشرط ليس إلا تعليقا على الأزمان مقيدة بمدلول فعل الشرط ولذلك خرجت كثير من كلمات العموم إلى معنى الشرط عند اقترانها بما الظرفية نحو كيفما وحيثما وأنما وأينما ومتى وما ومهما . والناصب لكلما الجواب لأن الشرطية طارئة عليها طريانا غير مطرد بخلاف مهما وأخواتها .
A E
