والخليفة في الأصل الذي يخلف غيره أو يكون بدلا عنه في عمل يعمله فهو فعيل بمعنى فاعل والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالعلامة . والمراد من الخليفة هنا أما المعنى المجازي وهو الذي يتولى عملا يريده المستخلف مثل الوكيل والوصي أي جاعل في الأرض مدبرا يعمل ما نريده في الأرض فهو استعارة أو مجاز مرسل وليس بحقيقة لأن الله تعالى لم يكن حالا في الأرض ولا عاملا فيها العمل الذي أودعه في الإنسان وهو السلطنة على موجودات الأرض ولأن الله تعالى لم يترك عملا كان يعمله فوكله إلى الإنسان بل التدبير الأعظم لم يزل الله تعالى فالإنسان هو الموجود الوحيد الذي استطاع بما أودع الله في خلقته أن يتصرف في مخلوقات الأرض بوجوه عظيمة لا تنتهي خلاف غيره من الحيوان وإما أن يراد من الخليفة معناه الحقيقي إذا صح أن الأرض كانت معمورة من قبل بطائفة من المخلوقات يسمون الحن والبن بحاء مهملة مكسورة ونون في الأول وبموحدة مكسورة ونون في الثاني . وقيل اسمهم الطم والرم بفتح أولهما وأحسبه من المزاعم وأن وضع هذين الاسمين من باب قول الناس " هيان بن بيان " إشارة إلى غير موجود أو غير معروف . ولعل هذا أنجز لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان فإن الفرس زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطم والرم وكان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى " التيتان " وأن " زفس " و " هو المشتري " كبير الأرباب في اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم . وكل هذا ينافيه سياق الآية فإن تعقيب ذكر خلق الأرض ثم السماوات بذكر إرادته تعالى جعل الخليفة دليل على أن جعل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته ولا يلزم أن يكون المخلوق مستقرا في المكان من قبل فالخليفة آدم وخلفيته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي وتلقين ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي ومما يشمله هذا التصرف تصرف آدم بسن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرفاتهم . فكانت الآية من هذا الوجه إيماء إلى حاجة البشر إلى إقامة خليفة لتنفيذ الفصل بين الناس في منازعاتهم إذ لا يستقيم نظام يجمع البشر بدون ذلك وقد بعث الله الرسل وبين الشرائع فربما اجتمعت الرسالة والخلافة وربما انفصلتا بحسب ما أراد الله من شرائعه إلى أن جاء الإسلام فجمع الرسالة والخلافة لأن دين الإسلام غاية مراد الله تعالى من الشرائع وهو الشريعة الخاتمة ولأن امتزاج الدين والملك هو أكمل مظاهر الخطتين قال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) ولهذا أجمع أصحاب رسول الله بعد وفاة النبي A على إقامة الخليفة لحفظ نظام الأمة وتنفيذ الشريعة ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى من جفاة الأعراب ودعاة الفتنة فالمناظرة مع أمثالهم سدى .
وللخليفة شروط محل بيانها كتب الفقه والكلام وستجيء مناسبتها في آيات آتية . والظاهر أن خطابه تعالى هذا للملائكة كان عند إتمام خلق آدم عند نفخ الروح فيه أو قبل النفخ والأول أظهر فيكون المراد بالمخبر عن جعله خليفة هو ذلك المخلوق كما يقول الذي كتب كتابا بحضرة جليس إني مرسل كتابا إلى فلان فإن السامع يعلم أن المراد أن ذلك الذي هو بصدد كتابته كتاب لفلان ويجوز أن يكون خطابهم بذلك قبل خلق آدم وعلى الوجوه كلها يكون اسم الفاعل في قوله ( جاعل ) للزمن المستقبل لأن وصف الخليفة لم يكن ثابتا لآدم ساعتئذ .
A E وقول الله هذا موجه إلى الملائكة على وجه الإخبار ليسوقهم إلى معرفة فضل الجنس الإنساني على وجه يزيل ما علم الله أنه في نفوسهم من سوء الظن بهذا الجنس وليكون كالاستشارة لهم تكريما لهم فيكون تعليما في قالب تكريم مثل إلقاء المعلم فائدة للتلميذ في صورة سؤال وجواب وليسن الاستشارة في الأمور ولتنبيه الملائكة على ما دق وخفى من حكمه خلق آدم كذا ذكر المفسرون
