وعندي أن هاته الاستشارة جعلت لتكون حقيقة مقارنة في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموسا أشربته نفوس ذريته لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء ما تؤثر تآلفا بين ذلك الكائن وبين المقارن . ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعا لذوات مقام أمر التكوين في الذوات فكما أن أمره إذا أراد شيئا أي إنشاء ذات أن يقول له كن فيكون كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس أو عند تكوين الذات ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يكون قبول العلم من خصائص الإنسان علم آدم الأسماء عندما خلقه .
وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضا للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل ولهذا أيضا طلبت منا الشريعة تخير أكمل الحالات وأفضل الأوقات للشروع في فضائل الأعمال ومهمات المطالب وتقدم هذا في الكلام على البسملة وسنذكر ما يتعلق بالشورى عند قوله تعالى ( وشاورهم في الأمر ) في سورة آل عمران .
وأسندت حكاية هذا القول إلى الله سبحانه بعنوان الرب لأنه قول منبئ عن تدبير عظيم في جعل الخليفة في الأرض ففي ذلك الجعل نعمة تدبير مشوب بلطف وصلاح وذلك من معاني الربوبية كما تقدم في قوله ( الحمد لله رب العالمين ) ولما كانت هذه النعمة شاملة لجميع النوع أضيف وصف الرب إلى ضمير أشرف أفراد النوع وهو النبي محمد A مع تكريمه بشرف حضور المخاطبة .
( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) هذا جواب الملائكة عن قول الله لهم ( إني جاعل في الأرض خليفة ) فالتقدير فقالوا على وزان قوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) وفصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جريا به على طريقة متبعة في القرآن في حكاية المحاورات وهي طريقة عربية قال زهير .
قيل لهم ألا اركبوا ألاتا ... قالوا جميعا كلهم آلافا أي فاركبوا ولم يقل فقالوا . وقال رؤية بن العجاج .
قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإنن وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير أفعال القول فإن المحاورة تقتضي الإعادة في الغالب فطردوا الباب فحذفوا العاطف في الجميع وهو كثير في التنزيل وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكتة تقتضي مخالفة الاستعمال وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر والأصل وهذا مما لم أسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي ومما عطف بالفاء قوله تعالى ( فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ ) في سورة المؤمنين وقد يعطف بالواو أيضا كما في قوله ( فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه ) إلخ في سورة المؤمنون وذلك إذا لم يكن المقصود حكاية التحاور بل قصد الإخبار عن أقوال جرت أو كانت الأقوال المحكية مما جرى في أوقات متفرقة أو أمكنة متفرقة . ويظهر ذلك لك في قوله تعالى ( قالوا اقتلوا أبناء الذين أمنوا معه - إلى قوله - وقال فرعون ذروني أقتل موسى ) ثم قال تعالى ( وقال موسى إني عذت بربي وربكم ) ثم قال ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون ) الآية في سورة غافر وليس في قوله ( قالوا أتجعل ) جوابا لإذ عاملا فيها لما قدمناه آنفا من أنه يفضي إلى أن يكون قولهم ( أتجعل فيها ) هو المقصود من القصة وأن تصير جملة إذ تابعة له إذ الظرف تابع للمظروف .
A E والاستفهام المحكي عن كلام الملائكة محمول على حقيقته مضمن معنى التعجب والاستبعاد من أن تتعلق الحكمة بذلك فدلالة الاستفهام على ذلك هنا بطريق الكناية مع تطلب ما يزيل إنكارهم واستبعادهم فلذلك تعين بقاء الاستفهام على حقيقته خلافا لمن توهم الاستفهام هنا لمجرد التعجب والذي أقدم الملائكة على هذا السؤال أنهم علموا أن الله لما أخبرهم أراد منهم إظهار علمهم تجاه هذا الخبر لأنهم مفطورون على الصدق والنزاهة من كل مؤاربة فلما نشأ ذلك في نفوسهم أفصحت عنه دلالة تدل عليه يعلمها الله تعالى من أحوالهم لا سيما إذا كان من تمام الاستشارة أن يبدي المستشار ما يراه نصحا وفي الحديث " المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم " يعني إذا تكلم فعليه أداء أمانة النصيحة
