فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء فإنهما استغنيا بذكر إن عن الفاء . وإن خلفا الأحمر لما سأل بشارا لماذا لم يقل " بكرا فالنجاح في التكبير " أجابه بشار بأنه أتى بها عربية بدوية ولو قال " فالنجاح " لصارت من كلام المولدين " أي أجابه جوابا إحالة فيه على الذوق " وقد بين الشيخ عبد القاهر سببه وقال الشيخ في موضع آخر ألا ترى أن الغرض من قوله " إن ذاك النجاح في التبكير " أن يبين المعنى في قوله لصاحبيه " بكرا " وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير ويبين وجه الفائدة منه " اه . ( والعليم ) الكثير العلم وهو من أمثلة المبالغة على الصحيح ويجوز كونه صفة مشبهة على تقدير تحويل علم " المكسور اللام " إلى علم بضم اللام ليصير من أفعال السجايا نحو ما قررناه في الرحيم ونحن في غنية عن هذا التكلف إذ لا ينبغي أن يبقي اختلاف في أن وزن فعيل يجيء لمعنى المبالغة وإنما أنشأ هذه التمحلات من زعموا أن فعيلا لا يجيء للمبالغة .
A E ( الحكيم ) فعيل من أحكم إذا أتقن الصنع بأن حاطه من الخلل . وأصل مادة حكم في كلام العرب للمنع من الفساد والخلل ومنه حكمة الدابة " بالتحريك " للحديدة التي توضع في فم الفرس لتمنعه من اختلال السير وأحكم فلان فلانا منعه قال جرير : .
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا والحكمة بكسر الحاء ضبط العلم وكماله فالحكيم إما بمعنى المتقن للأمور كلها أو بمعنى ذي الحكمة وأي ما كان فقد جرى بوزن فعيل على غير فعل ثلاثي وذلك مسموع قال عمرو ابن معد يكرب : .
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع ومن شواهد النحو ما أنشده أبو علي ولم يعزه : .
فمن يك لم ينجب أبوه وأمه ... فإن لنا الأم النجيبة والأب أراد الأم المنجبة بدليل قوله لم ينجب أبوه في القرآن ( بديع السماوات والأرض ) ووصف الحكيم والعرب تجري أوزان بعض المشتقات على بعض فلا حاجة إلى التكلف بتأول بديع السماوات والأرض ببديع سماواته وأرضه أي على أن " أل " عوض عن المضاف إليه فتكون الموصوف بحكيم هو السماوات والأرض وهي محكمة الخلق فإن مساق الآية تمجيد الخالق لا عجائب مخلوقاته حتى يكون بمعنى معقول . ولا إلى تأويل الحكيم بمعنى ذي الحكمة لأن ذلك لا يجدي في دفع بحث مجيئه من غير ثلاثي .
وتعقيب العليم بالحكيم من إتباع الوصف بأخص منه قإن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم لأن الحكمة كمال في العلم فهو كقولهم خطيب مصقع وشاعر مفلق .
وفي معارج النور للشيخ لطف الله الأرضرومي وفي الحكيم ذو الحكمة وهي العلم بالشيء وإتقان عمله وهو الإيجاد بالنسبة إليه والتدبير بأكمل ما تستعد له ذات المدبر " بفتح الباء " والاطلاع على حقائق الأمور اه . وقال أبو حامد الغزالي في المقصد الأسني : الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن المعرفة بأفضل الأشياء فأفضل العلوم العلم بالله وأجل الأشياء هو الله وقد سبق أنه لا يعرفه كنه معرفته غيره وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم إذ أجل العلوم هو العلم الأزلي القديم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء ولا شبهة ولا يتصور ذلك إلا في علم الله اه .
وسيجيء الكلام على الحكمة عند قوله تعالى ( يؤتي الحكمة من يشاء ) .
( وأنت ) في أنك أنت العليم الحكيم ضمير فصل وتوسيطه من صيغ القصر فالمعنى قصر العلم والحكمة على الله قصر قلب لردهم اعتقادهم أنفسهم أنهم على جانب من علم وحكمة حين راجعوا بقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها أو تنزيلهم منزلة من يعتقد ذلك على الاحتمالين المتقدمين أو هو قصر حقيقي ادعائي مراد منه قصر كمال العلم والحكمة عليه تعالى .
( قال يا أدم أنبئهم بأسمائهم ) لما دخل هذا القول في جملة المحاورة جردت الجملة من الفاء أيضا كما تقدم في نظائره لأنه وإن كان إقبالا بالخطاب على غير المخاطبين بالأقوال التي قبله فهو بمثابة خطاب لهم لأن المقصود من خطاب آدم بذلك أن يظهر عقبه فضله عليهم في العلم من هاته الناحية فكان الخطاب بمنزلة أن يكون مسوقا إليهم لقوله عقب ذلك ( قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض )
