وابتداء خطاب آدم بندائه مع أنه غير بعيد عن سماع الأمر الإلهي للتنويه بشأن آدم وإظهار اسمه في الملأ الأعلى حتى ينال حسن السمعة مع ما فيه من التكريم عند الآمر لأن شأن الآمر والمخاطب " بالكسر " إذا تلطف مع المخاطب " بالفتح " أن يذكر اسمه ولا يقتصر على ضمير الخطاب حتى لا يساوي بخطابه كل خطاب ومنه ما جاء في حديث الشفاعة بعد ذكر سجود النبي وحمده الله بمحامد يلهمه إياها فيقول " يامحمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع " وهذه نكتة ذكر الاسم حتى في أثناء المخاطبة كما قال امرؤ القيس : .
" أفاطم مهلا بعض هذا التدلل وربما جعلوا النداء طريقا إلى إحضار اسمه الظاهر لأنه لا طريق لإحضاره عند المخاطبة إلا بواسطة النداء فالنداء على كل تقدير مستعمل في معناه المجازي .
( فلما أنبأهم بأسمائهم ) الإنباء إخبارهم بالأسماء وفيه إيماء بأن المخبر به شيء مهم . والضمير المجرور بالإضافة ضمير المسميات مثل ضمير عرضهم وفي إجرائه على صيغة ضمائر العقلاء ما قرر في قوله ( ثم عرضهم ) .
A E وقوله ( فلما أنبأهم بأسمائهم ) الضمير في أنبأ لآدم وفي قال ضمير اسم الجلالة وإنما لم يؤت بفاعله اسما ظاهرا مع أنه جرى على غير من هوله أي جاء عقب ضمائر آدم في قوله ( أنبئهم ) و ( أنبأهم ) لأن السياق قرينة على أن هذا القول لا يصدر من مثل آدم .
( قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ) جواب لما والقائل هو الله تعالى وهو المذكور في قوله ( وإذ قال ربك ) وعادت إليه ضمائر قال إني أعلم وعلم وعرضهم وما قبله من الضمائر وهو تذكير لهم بقوله لهم في أول المحاورة ( إني أعلم ما لا تعلمون ) وذلك القول وإن لم يكن فيه ( أعلم غيب السماوات والأرض ) صراحة إلا أنه يتضمنه لأن عموم ما لا تعلمون يشمل جميع ذلك فيكون قوله هنا ( إني أعلم غيب السماوات والأرض ) بيانا لما أجمل في القول الأول لأنه يساويه ما صدقا لأن ما لا تعلمون هو غيب السماوات والأرض وقد زاد البيان هنا على المبين بقوله : ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون [ 33 ] ) وإنما جيء بالإجمال قبل ظهور البرهان وجئ بالتفصيل بعد ظهوره على طريقة الحجاج وهو إجمال الدعوى وتفصيل النتيجة لأن الدعوى قبل البرهان قد يتطرقها شك السامع بأن يحملها على المبالغة ونحوها وبعد البرهان يصح للمدعي أن يوقف المحجوج على غلطه ونحوه وأن يتبجح عليه بسلطان برهانه فإن للحق صولة ونظيره قول صاحب موسى ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة ) إلى قوله ( وما فعلته عن أمري ) ثم قال ( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) . فجاء باسم إشارة البعيد تعظيما للتأويل بعد ظهوره . وهذه طريقة مسلوكة للكتاب والخطباء وهي ترجع إلى قاعدة إخذ النتائج من المقدمات في صناعة الإنشاء كما بينته في كتاب أصول الإنشاء والخطابة وأكثر الخطباء يفضى إلى الغرض من خطبته بعد المقدمات والتمهيدات وقد جاءت الآية على طريقة الخطباء والبلغاء فيما ذكرنا تعليما للخلق وجريا على مقتضى الحال المتعارف من غير مراعاة لجانب الألوهية فإن الملائكة لا يمترون في أن قوله تعالى الحق ووعده الصدق فليسوا بحاجة إلى نصب البراهين .
و ( كنتم ) في قوله ( وما كنتم تكتمون ) الأظهر أنها زائدة لتأكيد تحقق الكتمان فإن الذي يعلم ما اشتد كتمانه يعلم ما لم يحرص على كتمانه ويعلم ظواهر الأحوال بالأولى . وصيغة المضارع في ( تبدون ) و ( تكتمون ) للدلالة على تجدد ذلك منهم فيقتضي تجدد علم الله بذلك كلما تجدد منهم .
ولبعضهم هنا تكلفات في جعل كنتم للدلالة على الزمان الماضي وجعل تبدون للاستقبال وتقدير اكتفاء في الجانبين أعني وما كنتم تبدون وما تكتمون واكتفاء في غيب السماوات والأرض يعني وشهادتهما وكل ذلك لا داعي إليه
