وقد جعل الله تعالى علم آدم بالأسماء وعجز الملائكة عن ذلك علامة على أهلية النوع البشرى لخلافته في الأرض دون الملائكة لأن الخلافة في الأرض هي خلافة الله تعالى في القيام بما أراده من العمران بجميع أحواله وشعبه بمعنى أن الله تعالى ناط بالنوع البشري إتمام مراده من العالم فكان تصرف هذا النوع في الأرض قائما مقام مباشرة قدرة الله تعالى بجميع الأعمال التي يقوم بها البشر ولا شك أن هذه الخلافة لا تتقوم إلا بالعلم أعني اكتساب المجهول من المعلوم وتحقيق المناسبة بين الأشياء ومواقعها ومقارناتها وهو العلم الاكتسابي الذي يدرك به الإنسان الخير والشر ويستطيع به فعل الخير وفعل الشر كل في موضعه ولا يصلح لهذا العلم إلا القوة الناطقة وهي قوة التفكير التي أجلى مظاهرها معرفة أسماء الأشياء وأسماء خصائصها والتي تستطيع أن تصدر الأضداد من الأفعال لأن تلك القوة هي التي لا تنحصر متعلقاتها ولا تقف معلوماتها كما شوهد من أحوال النوع الإنساني منذ النشأة إلى الآن وإلى ما شاء الله تعالى . والملائكة لما لم يخلقوا متهيئين لذلك حتى أعجزهم وضع الأسماء للمسميات وكانوا مجبولين على سجية واحدة وهي سجية الخير التي لا تختلف ولا تتخلف لم يكونوا مؤهلين لاستفادة المجهولات من المعلومات حتى لا تقف معارفهم . ولم يكونوا مصادر للشرور التي يتعين صدورها لإصلاح العالم فخيريتهم وإن كانت صالحة لاستقامة عالمهم الطاهر لم تكن صالحة لنظام عالم مخلوط وحكمة خلطه ظهور منتهى العلم الإلهي كما قال أبو الطيب : A E .
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى والآية تقتضي مزية عظمى لهذا النوع في هذا الباب وفي فضل العلم ولكنها لا تدل على أفضلية النوع البشرى على الملائكة إذ المزية لا تقتضي الأفضلية كما بينه الشهاب القرافي في الفرق الحادي والتسعين فهذه فضيلة من ناحية واحدة وإنما يعتمد التفضيل المطلق مجموع الفضائل كما دل عليه حديث موسى والخضر .
والاستفهام في قوله ( ألم أقل لكم ) إلخ تقريري لأن ذلك القول واقع لا محالة والملائكة يعلمون وقوعه ولا ينكرونه . وإنما أوقع الاستفهام على نفي القول لأن غالب الاستفهام التقريري يقحم ما يفيد النفي لقصد التوسيع على المقرر حتى يخيل إليه أنه يسأل عن نفي وقوع الشيء فإن أراد أن يزعم نفيه فقد وسع المقرر عليه ذلك ولكنه يتحقق أنه لا يستطيع إنكاره فلذلك يقرره على نفيه فإذا أقر كان إقراره لازما له لا مناص له منه . فهذا قانون الاستفهام التقريري الغالب عليه وهو الذي تكرر في القرآن وبنى عليه صاحب الكشاف معاني آياته التي منها قوله تعالى ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) وتوقف فيه ابن هشام في مغنى اللبيب ورده عليه شارحه . وقد يقع التقرير بالإثبات على الأصل نحو ( أأنت قلت للناس ) وهو تقرير مراد به إبطال دعوى النصارى وقوله ( قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم ) .
( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين [ 34 ] ) عطف على جملة ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) عطف القصة على القصة وإعادة إذ بعد حرف العطف المغنى عن إعادة ظرفه تنبيه على أن الجملة مقصودة بذاتها لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام ولأجل هذه المراعاة لم يؤت بهذه القصة معطوفة بفاء التفريع فيقول ( فقلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) وإن كان مضمونها في الواقع متفرعا على مضمون التي قبلها فإن أمرهم بالسجود لآدم ما كان إلا لأجل ظهور مزيته عليهم إذ علم ما لم يعلموه وذلك ما اقتضاه ترتيب ذكر هذه القصص بعضها بعد بعض ابتداء من خلق السماوات والأرض وما طرأ بعده من أطوار أصول العامرين الأرض وما بينها وبين السماء فإن الأصل في الكلام أن يكون ترتيب نظمه جاريا على ترتيب حصول مدلولاته في الخارج ما لم تنصب قرينة على مخالفة ذلك