ولا يريبك قوله تعالى في سورة الحجر ( إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) لأن تلك حكت القصة بإجمال فطوت أنباءها طيا جاء تبيينه في ما تكرر منها في آيات أخرى وأوضحها أية البقرة لاقتضاء الآية السابقة أن فضيلة آدم لم تظهر للملائكة إلا بعد تعليمه الأسماء وعرضها عليهم وعجزهم عن الإنباء بها وأنهم كانوا فبل ذلك مترقبين بيان ما يكشف ظنهم بآدم أن يكون مفسدا في الأرض بعد أن لازموا جانب التوقف لما قال الله لهم ( إني أعلم ما لا تعلمون ) فكان إنباء آدم بالأسماء عند عجزهم عن الإنباء بها بيانا لكشف شبهتهم فاستحقوا أن يأتوا بما فيه معذرة عن عدم علمهم بحقه .
وقد أريد من هذه القصة إظهار مزية نوع الإنسان وأن الله يخص أجناس مخلوقاته وأنواعها بما اقتضته حكمته من الخصائص والمزايا لئلا يخلو شيء منها عن فائدة من وجوده في هذا العالم ؛ وإظهار فضيلة المعرفة وبيان أن العالم حقيق بتعظيم من حوله إياه وإظهار ما للنفوس الشريرة الشيطانية من الخبث والفساد وبيان أن الاعتراف بالحق من خصال الفضائل الملائكية وأن الفساد والحسد والكبر من مذام ذوي العقول .
والقول في إعراب ( إذ ) كالقول الذي تقدم في تفسير قوله ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) .
وإظهار لفظ الملائكة ولفظ آدم هنا دون الإتيان بضميريهما كما في قوله ( قالوا سبحانك ) وقوله ( فلما أنبأهم ) لتكون القصة المعطوفة معنونة بمثل عنوان القصة المعطوف عليها إشارة إلى جدارة المعطوفة بأن تكون قصة مقصودة غير مندمجة في القصة التي قبلها .
A E وغير أسلوب إسناد القول إلى الله فأتى به مسندا إلى ضمير العظمة ( وإذ قلنا ) وأتى به في الآية السابقة مسندا إلى رب النبي ( وإذ قال ربك ) للتفنن ولأن القول هنا تضمن أمرا بفعل فيه غضاضة على المأمورين فناسبه إظهار عظمة الآمر وأما القول السابق فمجرد إعلام من الله بمراده ليظهر رأيهم ولقصد اقتران الاستشارة بمبدأ تكوين الذات الأولى من نوع الإنسان المحتاج إلى التشاور فناسبه الإسناد إلى الموصوف بالربوبية المؤذنة بتدبير شأن المربوبين . وأضيف إلى ضمير أشرف المربوبين وهو النبي A كما تقدم عند قوله تعالى ( وإذ قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) .
وحقيقة السجود طأطأة الجسد أو إيقاعه على الأرض بقصد التعظيم لمشاهد بالعيان كالسجود للملك والسيد والسجود للكواكب قال تعالى ( وخروا له سجدا ) وقال ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ) وقال الأعشى : .
فلما أتانا بعيد الكرى ... سجدنا له وخلعنا العمارا وقال أيضا : .
يراوح من صلوات الملي ... ك طورا سجودا وطورا جؤارا أو لمشاهد بالتخيل والاستحضار وهو السجود لله قال تعالى ( فاسجدوا لله واعبدوا ) . والسجود ركن من أركان الصلاة في الإسلام . وأما سجود الملائكة فهو تمثيل لحالة فيهم تدل على تعظيم وقد جمع معانيه قوله تعالى ( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ) .
فكان السجود أول تحية تلقاها البشر عند خلق العالم .
وقد عرف السجود منذ أقدم عصور التاريخ فقد وجد على الآثار الكلدانية منذ القرن التاسع عشر قبل المسيح صورة حمورابي ملك كلدية راكعا أمام الشمس . ووجدت على الآثار المصرية صور أسرى الحرب سجدا لفرعون وهيآت السجود تختلف باختلاف العوائد .
وهيئة سجود الصلاة مختلفة باختلاف الأديان . والسجود في صلاة الإسلام الخرور على الأرض بالجبهة واليدين والرجلين .
وتعدية اسجدوا لاسم آدم باللام دال على أنهم كلفوا بالسجود لذاته وهو أصل دلالة لام التعليل إذا علق بمادة السجود مثل قوله تعالى ( فاسجدوا لله واعبدوا ) وقوله ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ) ولا يعكر عليه أن السجود في الإسلام لغير الله محرم لأن هذا شرع جديد نسخ ما كان في الشرائع الأخرى ولأن سجود الملائكة من عمل العالم الأعلى وليس ذلك بداخل تحت تكاليف أهل الأرض فلا طائل تحت إطالة البحث في أن آدم مسجود له أو هو قبلة للساجدين كالكعبة للمسلمين ولا حاجة إلى التكلف بجعل اللام بمعنى إلى مثلها في قول حسان : .
" أليس أول من صلى لقبلتكم فإن للضرورة أحكاما . لا يناسب أن يقاس بها أحسن الكلام نظاما