وفي هذه الآية منزع بديع لتعظيم شأن العلم وجدارة العلماء بالتعظيم والتبجيل لأن الله لما علم آدم علما لم يؤهل له الملائكة كان قد جعل آدم أنموذجا للمبدعات والمخترعات والعلوم التي ظهرت في البشر من بعد والتي ستظهر إلى فناء هذا العالم .
وقرأ أبو جعفر في أشهر الرواية عنه ( للملائكة اسجدوا ) بضمة على التاء في حال الوصل على إتباع حركة التاء لضمة الجيم في ( اسجدوا ) لعدم الاعتداد بالساكن الفاصل بين الحرفين لأنه حاجز غير حصين وقراءته هذه رواية وهي جرت على لغة ضعيفة في مثل هذا فلذلك قال الزجاج والفارسي : هذا خطأ من أبي جعفر وقال الزمخشري : لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع إلا في لغة ضعيفة كقراءة الحسن الحمد لله " بكسر الدال " قال ابن جني : وإنما يجوز هذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إذا كان ما قبل الهمزة ساكنا صحيحا نحو ( وقالت اخرج عليهن ) في سورة يوسف اه . وإنما حملوا عليه هذه الحملة لأن قراءته معدودة في القراءات المتواترة فما كان يحسن فيها مثل هذا الشذوذ وإن كان شذوذا في وجوه الأداء لا يخالف رسم المصحف .
وعطف ( فسجدوا ) بفاء التعقيب يشير إلى مبادرة الملائكة بالامتثال ولم يصدهم ما كان في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق مظهر فساد وسفك دماء لأنهم منزهون عن المعاصي .
واستثناء إبليس من ضمير الملائكة في ( فسجدوا ) استثناء منقطع لأن إبليس لم يكن من جنس الملائكة قال تعالى في سورة الكهف ( إلا إبليس كان من الجن ) ولكن الله جعل أحواله كأحوال النفوس الملكية بتوفيق غلب على جبلته لتتأتى معاشرته بهم وسيره على سيرتهم فساغ استثناء حاله من أحوالهم في مظنة أن يكون مماثلا لمن هو فيهم .
A E وقد دلت الآية على أن إبليس كان مقصودا في الخبر الذي أخبر به الملائكة إذ قال للملائكة ( إني جاعل في الأرض خليفة ) وفي الأمر الذي أمر به الملائكة إذ قال لهم ( اسجدوا لآدم ) ذلك أن جنس المجردات كان في ذلك العالم مغمورا بنوع الملك إذ خلق الله من نوعهم أفرادا كثيرة كما دل عليه صيغة الجمع في قوله ( وإذ قال ربك للملائكة ) ولم يخلق الله من نوع الجن إلا أصلهم وهو إبليس . وخلق من نوع الإنسان أصلهم وهو آدم . وقد أقام الله إبليس بين الملائكة إقامة ارتياض وتخلق وسخره لاتباع سنتهم فجرى على ذلك السنن أمدا طويلا لا يعلمه إلا الله ثم ظهر ما في نوعه من الخبث كما أشار إليه قوله تعالى ( ففسق عن أمر ربه ) في سورة الكهف فعصى ربه حين أمره بالسجود لآدم .
وإبليس اسم الشيطان الأول الذي هو مولد الشياطين فكان إبليس لنوع الشياطين والجن بمنزلة آدم لنوع الإنسان . وإبليس اسم معرب من لغة غير عربية لم يعينها أهل اللغة ولكن يدل لكونه معربا أن العرب منعوه من الصرف ولا سبب فيه سوى العلمية والعجمة ولهذا جعل الزجاج همزته أصلية وقال وزنه على فعليل . وقال أبو عبيدة هو اسم عربي مشتق من الإبلاس وهو البعد من الخير واليأس من الرحمة وهذا اشتقاق حسن لولا أنه يناكد منعه من الصرف وجعلوا وزنه إفعيل لأن همزته مزيدة وقد اعتذر عن منعه من الصرف بأنه لما لم يكن له نظير في الأسماء العربية عد بمنزلة الأعجمي وهو اعتذار ركيك .
وأكثر الذين أحصوا الكلمات المعربة في القرآن لم يعدوا منها اسم إبليس لأنهم لم يتبينوا ذلك ولصلاحية الاسم لمادة عربية ومناسبته لها .
وجمل ( أبي واستكبر وكان من الكافرين ) استئناف بياني مشير إلى أن مخالفة حاله لحال الملائكة في السجود لآدم شأنه أن يثير سؤالا في نفس السامع كيف لم يفعل إبليس ما أمر به وكيف خالف حال جماعته وما سبب ذلك لأن مخالفته لحالة معشره مخالفة عجيبة إذ الشأن الموافقة بين الجماعات كما قال دريد بن الصمة .
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد فبين السبب بأنه أبى واستكبر وكفر بالله
