وجملة ( وكان من الكافرين ) معطوفة على الجمل المستأنفة وكان لا تفيد إلا أنه اتصف بالكفر في زمن مضى قبل زمن نزول الآية وليس المعنى أنه اتصف به قبل امتناعه من السجود لآدم وقد تحير أكثر المفسرين في بيان معنى الآية من جهة حملهم فعل ( كان ) على الدلالة على الاتصاف بالكفر فيما مضى عن وقت الامتناع من السجود ومن البديهي أنه لم يكن يومئذ فريق يوصف بالكافرين فاحتاجوا أن يتمحلوا بأن إبليس كان من الكافرين أي في علم الله وتمحل بعضهم بأن إبليس كان مظهرا الطاعة مبطنا الكفر نفاقا والله مطلع على باطنه ولكنه لم يخبر به الملائكة وجعلوا هذا الاطلاع عليه مما أشار إليه قوله تعالى ( إني أعلم مالا تعلمون ) وكل ذلك تمحل لا داعي إليه لما علمت من أن فعل المضي يفيد مضى الفعل قبل وقت التكلم وأمثلهم طريقة الذين جعلوا كان بمعنى صار فإنه استعمال من استعمال فعل كان قال تعالى ( وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) وقال ( وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا ) وقول ابن أحمر : .
بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطى الحزن قد كانت فراخا بيوضها أي صار كافرا بعدم السجود لأن امتناعه نشأ عن استكباره على الله واعتقاد أن ما أمر به غير جار على حق الحكمة وقد علمت أن الانقلاب الذي عرض لإبليس في جبلته كان انقلاب استخفاف بحكمة الله تعالى فلذلك صار به كافرا صراحا .
A E والذي أراه أحسن الوجوه في معنى وكان من الكافرين أن مقتضى الظاهر أن يقول ( وكفر ) كما قال ( أبى واستكبر ) فعدل عن مقتضى الظاهر إلى وكان من الكافرين لدلالة كان في مثل هذا الاستعمال على رسوخ معنى الخبر في اسمها والمعنى أبى واستكبر وكفر كفرا عميقا في نفسه وهذا كقوله تعالى ( فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) وكقوله تعالى ( ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ) دون أن يقول أن لا تهتدي لأنها إذا رأت آية تنكير عرشها ولم تهتد كانت راسخة في الاتصاف بعدم الاهتداء وأما الإتيان بخبر كان ( من الكافرين ) دون أن يقول وكان كافرا فلأن إثبات الوصف لموصوف بعنوان كون الموصوف واحدا من جماعة تثبت لهم ذلك الوصف أدل على شدة تمكن الوصف منه مما لو أثبت له الوصف وحده بناء على أن الواحد يزداد تمسكا بفعله إذا كان قد شاركه فيه جماعة لأنه بمقدار ما يرى من كثرة المتلبسين بمثل فعله تبعد نفسه عن التردد في سداد عملها وعليه جاء قوله تعالى ( أصدقت أم كنت من الكاذبين ) وقوله الذي ذكرناه آنفا ( أم تكون من الذين لا يهتدون ) وهو دليل كنائي واستعمال بلاغي جرى عليه نظم الآية وإن لم يكن يومئذ جمع من الكافرين بل كان إبليس وحيدا في الكفر . وهذا منزع انتزعته من تتبع موارد مثل هذا التركيب في هاتين الخصوصيتين خصوصية زيادة ( كان ) وخصوصية إثبات الوصف لموصوف بعنوان أنه واحد من جماعة موصوفين به وسيجيء ذلك قريبا عند قوله تعالى ( واركعوا مع الراكعين ) .
وإذ لم يكن في زمن امتناع إبليس من السجود جمع من الكافرين كان قوله ( وكان من الكافرين ) جاريا على المتعارف في أمثال هذا الإخبار الكنائي .
وفي هذا العدول عن مقتضى الظاهر مراعاة لما تقتضيه حروف الفاصلة أيضا وقد رتبت الأخبار الثلاثة في الذكر على حسب ترتيب مفهوماتها في الوجود وذلك هو الأصل في الإنشاء أن يكون ترتيب الكلام مطابقا لترتيب مدلولات جمله كقوله تعالى ( ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ) وقد أشرت إلى ذلك في كتابي " أصول الإنشاء والخطابة " .
( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين [ 35 ] ) عطف على ( قلنا للملائكة اسجدوا ) أي بعد أن انقضى ذلك قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وهذه تكرمة أكرم الله بها آدم بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاء الملائكة