ونداء آدم قبل تخويله سكنى الجنة نداء تنويه بذكر اسمه بين الملأ الأعلى لأن نداءه يسترعي إسماع أهل الملأ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به وينتزع من هذه الآية أن العالم جدير بالإكرام بالعيش الهنيء كما أخذ من التي قبلها أنه جدير بالتعظيم والأمر بقوله ( اسكن ) مستعمل في الامتنان بالتمكين والتخويل وليس أمرا له بأن يسعى بنفسه لسكنى الجنة إذ ر قدرة له على ذلك السعي فلا يكلف به .
وضمير أنت واقع لأجل عطف وزوجك على الضمير المستتر في اسكن وهو استعمال العربية عند عطف اسم على ضمير متصل مرفوع المحل لا يكادون يتركونه يقصدون بذلك زيادة إيضاح المعطوف فتحصل فائدة تقرير مدلول المعطوف لئلا يكون تابعة المعطوف عليه أبرز منه في الكلام فليس الفصل بمثل هذا الضمير مقيدا تأكيدا للنسبة لأن الإتيان بالضمير لازم لا خيرة للمتكلم فيه فلا يكون مقتضى حال ولا يعرف السامع أن المتكلم مريد به تأكيدا ولكنه لا يخلو من حصول تقرير معنى المضمر وهو ما أشار إليه في الكشاف بمجموع قوله وأنت تأكيد للضمير المستكن ليصح العطف عليه .
والزوج كل شيء ثان مع شيء آخر بينهما تقارن في حال ما . ويظهر أنه اسم جامد لأن جميع تصاريفه في الكلام ملاحظ فيها معنى كونه ثاني اثنين أو مماثل غيره . فكل واحد من اثنين مقترنين في حال ما يسمى زوجا للآخر قال تعالى ( أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ) أي يجعل لأحد الطفلين زوجا له أي سواه من غير صنفه وقريب من هذا الاستعمال استعمال لفظ شفع . وسميت الأنثى القرينة للرجل بنكاح زوجا لأنها اقترنت به وصيرته ثانيا ويسمى الرجل زوجا لها لذلك بلا فرق فمن ثم لا يقال للمرأة زوجة بهاء تأنيث لأنه اسم وليس بوصف . وقد لحنوا الفرزدق في قوله : .
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها A E وتسامح الفقهاء في إلحاق علامة التأنيث للزوج إذا أرادوا به امرأة الرجل لقصد نفي الالتباس في تقرير الأحكام في كتبهم في مثل قولهم القول قول الزوج أو القول قول الزوجة وهو صنيع حسن .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك " أن النبي A كان يحدث إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه يا فلان فجاء فقال له هذه زوجتي فلانة " الحديث فقوله زوجتي بالتاء فتعين كونه من عبارة راوي الحديث في السند إلى أنس وليست بعبارة النبي A .
وطوى في هذه الآية خلق زوج آدم وقد ذكر في آيات أخرى كقوله تعالى ( الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) وسيأتي ذلك في سورة النساء وسورة الأعراف .
ولم يرد اسم زوج آدم في القرآن واسمها عند العرب حواء وورد ذكر اسمها في حديث رواه ابن سعد في طبقاته عن خالد بن خداش عن ابن وهب يبلغ به رسول الله A أنه قال : " الناس لآدم وحواء كطف لصاع لن يملأوه " الحديث " طف المكيال بفتح الطاء وكسرها ما قرب من ملئه " أي هم لا يبغون الكمال فإن كل كمال من البشر قابل للزيادة . وخالد بن خداش بصري وثقه ابن معين وأبو حاتم وسليمان بن حرب وضعفه ابن المديني . فاسم زوج آدم عند العرب حواء واسمها في العبرانية مضطرب فيه ففي سفر التكوين في الإصحاح الثاني أن اسمها امرأة سماها كذلك آدم قال : لأنها من امرئ أخذت . وفي الإصحاح الثالث أن آدم دعا اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي . وقال ابن سعد نام آدم فخلقت حواء من ضلعه فاستيقظ ووجدها عنده فقال أثا أي امرأة بالنبطية أي اسمها بالنبطية المرأة كما سماها آدم . وقد تقدم عند قوله تعالى ( وعلم آدم الأسماء ) أن آدم دعا نفسه إيش فلعل أثا محرفة عن إشا . واسمها بالعبرية " خمواء " بالخاء المعجمة وبهاء بعد الألف ويقال أيضا حيوا بحاء مهملة وألف في آخره فصارت بالعربية حواء وصارت في الطليانية إيبا . وفي الفرنسية ايب . وفي التوراة ان حواء خلقت في الجنة بعد أن أسكن آدم في الجنة وأن الله خلقها لتؤنسه قال تعالى ( وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) أي يأنس . والأمر في أسكن أمر إعطاء أي جعل الله آدم هو وزوجه في الجنة . والسكنى اتخاذ المكان مقرا لغالب أحوال الإنسان
