ومعنى الأكل من الجنة من ثمرها لأن الجنة تستلزم ثمارا وهي مما يقصد بالأكل ولذلك تجعل " من " تبعيضية بتنزيل بعض ما يحويه المكان منزلة بعض لذلك المكان . ويجوز أن تكون " من " ابتدائية إشارة إلى أن الأكل المأذون فيه أكل ما تثمره تلك الجنة كقولك هذا الثمر من خيبر .
والرغد وصف لموصوف دل عليه السياق أي أكلا رغدا والرغد الهنيء الذي لا عناء فيه ولا تقتير وقوله ( حيث شئتما ) ظرف مكان أي من أي مواضع أردتما الأكل منها ولما كانت مشيئتهما لا تنحصر بمواضع استفيد العموم في الإذن بطريق اللزوم وفي جعل الأكل من الثمر من أحوال آدم وزوجه حين إنشائها تنبيه على أن الله جعل الاقتيات جبلة للإنسان لا تدوم حياته إلا به .
وقوله ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) يعنى به ولا تأكلا من الشجرة لأن قربانها إنما هو لقصد الأكل منها فالنهي عن القربان أبلغ من النهي عن الأكل لأن القرب من الشيء ينشئ داعية وميلا إليه ففي الحديث " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " وقال ابن العربي سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول " إذا قيل لا تقرب " " بفتح الراء " كان معناه لا تتلبس بالفعل وإذا قيل بضم الراء كان معناه لا تدن منه اه . وهو غريب فإن قرب وقرب نحو كرم وسمع بمعنى دنا فسواء ضممت الراء أو فتحتها في المضارع فالمراد النهي عن الدنو إلا أن الدنو بعضه مجازي وهو التلبس وبعضه حقيقي ولا يكون للمجازي وزن خاص في الأفعال وإلا لصار من المشترك لا من الحقيقة والمجاز اللهم إلا أن يكون الاستعمال خص المجازي ببعض التصاريف فتكون تلك الزنة قرينة لفظية للمجاز وذلك حسن وهو من محاسن فروق استعمال الألفاظ المترادفة في اللغة العربية مثل تخصيص بعد مكسور العين بالانقطاع التام وبعد مضموم العين بالتنحي عن المكان ولذلك خص الدعاء بالمكسور في قولهم للمسافر لا تبعد قالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية : .
إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا وفي تعليق النهي بقربان الشجرة إشارة إلى منزع سد الذرائع وهو أصل من أصول مذهب مالك C وفيه تفصيل مقرر في أصول الفقه .
A E والإشارة ب ( هذه ) إلى شجرة مرئية لآدم وزوجه والمراد شجرة من نوعها أو كانت شجرة وحيدة في الجنة . وقد اختلف أهل القصص في تعيين نوع هذه الشجرة فعن علي وابن مسعود وسعيد بن جبير والسدي أنها الكرمة وعن ابن عباس والحسن وجمهور المفسرين أنها الحنطة وعن قتادة وابن جريج ونسبه ابن جريج إلى جمع من الصحابة أنها شجرة التين . ووقع في سفر التكوين من التوراة إبهامها وعبر عنها بشجرة معرفة الخير والشر .
وقوله ( فتكونا من الظالمين ) أي من المعتدين وأشهر معاني الظلم في استعمال العرب هو الاعتداء والاعتداء إما اعتداء على نهي الناهي إن كان المقصود من النهي الجزم بالترك وإما اعتداء على النفس والفضيلة إن كان المقصود من النهي عن الأكل من الشجرة بقاء فضيلة التنعم لآدم في الجنة فعلى الأول الظلم لأنفسهما بارتكاب غضب الله وعقابه وعلى الثاني الظلم لأنفسهما بحرمانها من دوام الكرامة .
( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين [ 36 ] ) الفاء عاطفة على قوله ( ولا تقربا ) وحقها إفادة التعقيب فيكون التعقيب عرفيا لأن وقوع الإزلال كان بعد مضي مدة هي بالنسبة للمدة المرادة من سكنى الجنة كالأمد القليل . والأحسن جعل الفاء للتفريع مجردة عن التعقيب .
والإزلال جعل الغير زالا أي قائما به الزلل وهو كالزلق أن تسير الرجلان على الأرض بدون اختيار لارتخاء الأرض بطين ونحوه أي ذاهبة رجلاه بدون إرادة وهو مجاز مشهور في صدور الخطيئة والغلط المضر ومنه سمي العصيان ونحوه الزلل