والضمير في قوله ( عنها ) يجوز أن يعود إلى الشجرة لأنها أقرب وليتبين سبب الزلة وسبب الخروج من الجنة إذ لو لم يجعل الضمير عائدا إلى الشجرة لخلت القصة عن ذكر سبب الخروج . و ( عن ) في أصل معناها أي أزلهما إزلالا ناشئا عن الشجرة أي عن الأكل منها وتقدير المضاف دل عليه قوله ( ولا تقربا هذه الشجرة ) وليست ( عن ) للسببية ومن ذكر السببية أراد حاصل المعنى كما قال أبو عبيدة في قوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى ) أن معناه وما ينطق بالهوى فقال الرضي : الأولى أن ( عن ) بمعناها وأن الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي نطقا صادرا عن الهوى . ويجوز كون الضمير للجنة وتكون ( عن ) على ظاهرها والإزلال مجازا في الإخراج بكره والمراد منه الهبوط من الجنة مكرهين كمن يزل عن موقفه فيسقط كقوله : " وكم منزل لولاي طحت " .
وقوله ( فأخرجهما مما كانا فيه ) تفريع عن الإزلال بناء على أن الضمير للشجرة والمراد من الموصول وصلته التعظيم كقولهم قد كان ما كان فإن جعلت الضمير في قوله ( عنها ) عائدا إلى الجنة كان هذا التفريع تفريع المفصل عن المجمل وكانت الفاء للترتيب الذكري المجرد كما في قوله تعالى ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ) وقوله ( كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) .
أما دلالة الموصول عن التعظيم فهي هي .
وقرأ حمزة " فإزالهما " بألف بعد الزاي وهو من الإزالة بمعنى الإبعاد وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون ضمير عنها عائدا إلى الجنة لا إلى الشجرة . وقد نبه عليه بخصوصه مع العلم بأن من خرج من الجنة فقد خرج مما كان فيه إحضارا لهذه الخسارة العظيمة في ذهن السامعين حتى لا تكون استفادتها بدلالة الالتزام خاصة فإنها دلالة قد تخفي فكانت إعادته في هذه الصلة بمرادفه كإعادته بلفظه في قوله تعالى ( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) .
وتفيد الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم من جراء عدم امتثاله لوصاية الله تعالى وموعظة تنبه بوجوب الوقوف عند الأمر والنهي والترغيب في السعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم وتربية العداوة بينهم وبين الشيطان وجنده إذ كان سببا في جر هذه المصيبة لأبيهم حتى يكونوا أبدا ثأرا لأبيهم معادين للشيطان ووسوسته مسيئين الظنون بإغرائه كما أشار إليه قوله تعالى ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) وقوله هنا ( بعضكم لبعض عدو ) . وهذا أصل عظيم في تربية العامة ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات منافسيهم ومن غلبهم في الحروب ليكون ذلك باعثا على أخذ الثأر .
A E وعطف ( وقلنا اهبطوا ) بالواو دون الفاء لأنه ليس بمتفرع عن الإخراج بل هو متقدم عليه ولكن ذكر الإخراج قبل هذا لمناسبة سياق ما فعله الشيطان وغروره بآدم فلذلك قدم قوله ( فأخرجهما ) إثر قوله ( فإزلهما الشيطان ) . ووجه جمع الضمير في ( اهبطوا ) قيل لأن هبوط آدم وحواء اقتضى أن لا يوجد نسلهما في الجنة فكان إهباطهما إهباطا لنسلهما وقيل الخطاب لهما ولإبليس وهو وإن أهبط عند إبايته السجود كما أفاده قوله تعالى في سورة الأعراف ( قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ) إلى قوله ( قال اخرج منها مذءوما مدحورا ) إلى قوله ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) فهذا إهباط ثان فيه تحجير دخول الجنة عليه والإهباط الأول كان إهباط منع من الكرامة مع تمكينه من الدخول للوسوسة وكلا الوجهين بعيد فالذي أراه أن جمع الضمير مراد به التثنية لكراهية توالي المثنيات بالإظهار والإضمار من قوله ( وكلا منها رغدا ) والعرب يستثقلون ذلك قال امرؤ القيس : .
وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل وإنما له صاحبان لقوله " قفا نبك " إلخ وقال تعالى ( فقد صغت قلوبكما ) وسيأتي في سورة التحريم
