وقوله ( فإما يأتينكم مني هدى ) الآية هو في معنى العهد أخذه الله على آدم فلزم ذريته أن يتبعوا كل هدى يأتيهم من الله وأن من أعرض عن هدى يأتي من الله فقد استوجب العذاب فشمل جميع الشرائع الإلهية المخاطب بها طوائف الناس لوقوع هدى نكرة في سياق الشرط وهو من صيغ العموم وأولى الهدى وأجدره بوجوب اتباعه الهدى الذي أتى من الله لسائر البشر وهو دين الإسلام الذي خوطب به جميع بني آدم وبذلك تهيأ الموقع لقوله ( والذين كفروا ) إلخ فالله أخذ العهد من لدن آدم على اتباع الهدى العام كقوله " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة " الآية وهذه الآية تدل على أن الله لا يؤاخذ البشر بما يقترفونه من الضلال إلا بعد أن يرسل إليهم من يهديهم فأما في تفاصيل الشرائع فلا شك في ذلك ولا اختلاف وأما في توحيد الله تعالى وما يقتضيه من صفات الكمال فيجرى على الخلاف بين علمائنا في مؤاخذة أهل الفترة على الإشراك ولعل الآية تدل على أن الهدى الآتي من عند الله في ذلك قد حصل من عهد آدم ونوح وعرفه البشر كلهم فيكون خطابا ثابتا لا يسع البشر ادعاء جهله وهو أحد قولين عن الأشعري وقيل لا وعند المعتزلة والماتريدية أنه دليل عقلي .
وقوله ( فلا خوف عليهم ) نفى لجنس الخوف . و ( خوف ) مرفوع في قراءة الجمهور وقرأه يعقوب مبنيا على الفتح وهما وجهان في اسم لا النافية للجنس وقد روى بالوجهين قول المرأة الرابعة من نساء حديث أم زرع " زوجي كليل تهامه لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمه " . وبناء الاسم على الفتح نص في نفي الجنس ورفعه محتمل لنفي الجنس ولنفي فرد واحد ولذلك فإذا انتفى اللبس استوى الوجهان كما هنا إذ القرينة ظاهرة في نفي الجنس .
وقوله ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) يحتمل أنه من جملة ما قيل لآدم فإكمال ذكره هنا استيعاب لأقسام ذرية آدم وفيه تعريض بالمشركين من ذرية آدم وهو يعم من كذب بالمعجزات كلها ومن جملتها القرآن عطف على من الشرطية في قوله ( فمن تبع هداي ) إلخ فهو من عطف جملة اسمية على جملة اسمية وأتى بالجملة المعطوفة غير شرطية مع ما في الشرطية من قوة الربط والتنصيص على ترتب الجزاء على الشرط وعدم الانفكاك عنه لأن معنى الترتب والتسبب وعدم الانفكاك قد حصل بطرق أخرى فحصل معنى الشرط من مفهوم قوله ( فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ) فإنه بشارة يؤذن مفهومها بنذارة من لم يتبعه فهو خائف حزين فيترقب السامع ما يبين هذا الخوف والحزن فيحصل ذلك بقوله ( والذين كفروا وكذبوا ) الآية . وأما معنى التسبب فقد حصل من تعليق الخبر على الموصول وصلته المومئ إلى وجه بناء الخبر وعلته على أحد التفسيرين في الإيماء إلى وجه بناء الخبر وأما عدم الانفكاك فقد اقتضاه الإخبار عنهم بأصحاب النار المقتضى للملازمة ثم التصريح بقوله ( هم فيها خالدون ) .
ويحتمل أنه تذييل ذيلت به قصة آدم لمناسبة ذكر المهتدين وليس من المقول له والمقصود من هذا التذييل تهديد المشركين والعود إلى عرض قوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) وقوله ( كيف تكفرون بالله ) فتكون الواو في قوله ( والذين كفروا ) اعتراضية والمراد بالذين كفروا الذين أنكروا الخالق وأنكروا أنبياءه وجحدوا عهده كما هو اصطلاح القرآن والمعنى والذين كفروا بي وبهداي كما دلت عليه المقابلة .
والآيات جمع آية وهي الشيء الدال على أمر من شأنه أن يخفي ولذلك قيل لأعلام الطريق آيات لأنهم وضعوها للإرشاد إلى الطرق الخفية في الرمال وتسمى الحجة آية لأنها تظهر الحق الخفي .
كما قال الحارث بن حلزة : .
من لنا عنده من الخير آيا ... ت ثلاث في كلهن القضاء A E