انتقال من موعظة المشركين إلى موعظة الكافرين من أهل الكتاب وبذلك تتم موعظة الفرق المتقدم ذكرها لأن فريق المنافقين لا يعدوا أن يكونوا من المشركين أو من أهل الكتاب اليهود ووجه الخطاب هنا إلى بني إسرائيل وهم أشهر الأمم المتدنية ذات الكتاب الشهير والشريعة الواسعة وذلك لأن هذا القرآن جاء يهدي للتي هي أقوم فكانت هاته السورة التي هي فسطاطه مشتملة على الغرض الذي جاء لأجله وقد جاء الوفاء بهذا الغرض على أبدع الأساليب وأكمل وجوه البلاغة فكانت فاتحتها في التنويه بشأن هذا الكتاب وآثار هديه وما يكتسب متبعوه من الفلاح دنيا وأخرى وبالتحذير من سوء مغبة من يعرض عن هديه ويتنكب طريقه ووصف في خلال ذلك أحوال الناس تجاه تلقي هذا الكتاب من مؤمن وكافر ومنافق بعد ذلك أقبل على أصناف أولئك بالدعوة إلى المقصود وقد انحصر الأصناف الثلاثة من الناس المتلقين لهذا الكتاب بالنسبة لحالهم تجاه الدعوة الإسلامية في صنفين لأنهم إما مشرك أو متدين أي كتابي إذ قد اندرج صنف المنافقين في الصنف المتدين لأنهم من اليهود كما قدمناه . فدعا المشركين إلى عبادته تعالى بقوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) . فالناس إن كان المراد به المشركين كما هو اصطلاح القرآن غالبا كما تقدم فظاهر . وإن كان المراد به كل الناس فقوله ( اعبدوا ربكم ) يختص بهم لا محالة إذ ليس المؤمنون بداخلين في ذلك وذكرهم بدلائل الصنعة وهي خلق أصولهم وبأصول نعم الحياة وهي خلق الأرض والسماء وإنزال الماء من السماء لإخراج الثمرات وعجب من كفرهم مع ظهور دلائل إثبات الخالق من الحياة والموت وذكرهم بنعمة عظيمة وهي نعمة تكريم أصلهم وتوبته على أبيهم كل ذلك اقتصار على القدر الثابت في فطرتهم إذ لم يكن لديهم من الأصول الدينية ما يمكن أن يجعل مرجعا في المحاورة والمجادلة يقتنعون به وخاطبهم في شأن إثبات صدق الرسول خلال ذلك بالدليل الذي تدركه أذواقهم البلاغية فقال ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) الآيات . ولما قضي ذلك كله حقه أقبل بالخطاب هنا على الصنف الثاني وهم أهل الشرائع والكتاب وخص من بينهم بني إسرائيل لأنهم أمثل أمة ذات كتاب مشهور في العالم كله وهم الأوحداء بهذا الوصف من المتكلمين باللغة العربية الساكنين المدينة وما حولها وهم أيضا الذين ظهر منهم العناد والنواء لهذا الدين ومن أجل ذلك لم يدع اليهود إلى توحيد ولا اعتراف بالخالق لأنهم موحدون ولكنه دعاهم إلى تذكر نعم الله عليهم وإلى ما كانت تلاقيه أنبياؤهم من مكذبيهم ليذكروا أن تلك سنة الله وليرجعوا على أنفسهم بمثل ما كانوا يؤنبون به من كذب أنبياءهم وذكرهم ببشارات رسلهم وأنبيائهم بنبي يأتي بعدهم .
ولتوجيه الخطاب إليهم طريقة أخرى وهي أنه جادلهم بالأدلة الدينية العلمية وإثبات صدق الرسالة بما تعارفوه من أحوال الرسل ولم يعرج لهم على إثبات الصدق بدلالة معجزة القرآن إذ لم يكونوا من فرسان هذا الميدان كما قدمناه في تفسير قوله تعالى ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما ) فكان خطابهم هنا بالدلائل الدينية وبحجج الشريعة الموسوية ليكون دليل صدق الرسول في الاعتبار بحاله وأنه جاء على وفاق أحوال إخوانه المرسلين السابقين .
وقد أفاض القرآن في ذلك وتدرج فيه من درجة إلى أختها بأسلوب بديع في مجادلة المخاطبين وأفاد فيه تعليم المسلمين حتى لا يفوتهم علماء بني إسرائيل قال تعالى ( أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ) فقد كان العلم يومئذ معرفة التشريع ومعرفة أخبار الأنبياء والأمم الماضية وأحوال العالمين العلوي والسفلي مع الوصايات الأدبية والمواعظ الأخلاقية فبذلك كان اليهود يفوقون العرب ومن أجله كانت العرب تسترشدهم في الشؤون وبه امتاز اليهود على العرب في بلادهم بالفكرة المدنية . وكان علم عامة اليهود في هذا الشأن ضعيفا وإنما انفردت بعلمه علماؤهم وأحبارهم فجاء القرآن في هاته المجادلات معلما أيضا للمسلمين وملحقا لهم بعلماء بني إسرائيل حتى تكون الدرجة العليا لهم لأنهم يضمون هذا العلم إلى علومهم اللسانية ونباهتهم الفكرية فتصبح عامة المسلمين مساوية في العلم لخاصة الإسرائيليين وهذا معنى عظيم من معاني تعميم التعليم والإلحاق في مسابقة التمدين .
A E