وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال ابن عباس معناه عبد الله لأن إسرا بمعنى عبد وإيل اسم الله أي مركب من كلمتين " إسرا " و " إيل " اسم الله تعالى كما يقولون بيت إيل " اسم لقرية تسمى لوز من أرض كنعان نزلها يعقوب عليه السلام في مهاجره فرارا من أخيه عيسو وبني فيها مذبحا ودعا اسمه بيت إيل " . والذي في كتب اليهود أن سبب تسمية يعقوب إسرائيل أنه لما كان خائفا في مهاجره من أن يلحقه أخوه عيسو لينتقم منه عرض له في إحدى الليالي شخص فعلم يعقوب أنه ربه " أي ملك من ملائكة الله " فأمسكه وصارعه يعقوب كامل الليل إلى طلوع الفجر فقال له أطلقني فقد طلع الفجر فقال له يعقوب لا أطلقك حتى تباركني فقال له ما اسمك قال يعقوب قال له لا يدعى اسمك يعقوب بعد اليوم بل أنت إسرائيل لأنك جاهدت الله والناس وقدرت . وباركه هناك . فهذا يدل على أن إسرا في هذا الاسم راجع إلى معنى الأسر في الحرب كما هو في العربية فإذا كان هذا من أصل التوراة فهو على تأويل رؤيا رآها يعقوب جعل الله بها له شرفا أو عرض له ملك كذلك . ثم إن يعقوب له اثنا عشر أبناؤهم المشهورون بالأسباط لأنهم أسباط إسحاق بن إبراهيم وإلى هؤلاء الأسباط يرجع نسب جميع بني إسرائيل وسيأتي ذكر الأسباط في هذه السورة .
واذكروا أمر من الذكر وهو أي الذكر بكسر الذال وضمها يطلق على خطور شيء ببال من نسيه ولذلك قيل وكيف يذكره من ليس ينساه ويطلق على النطق باسم الشيء الخاطر ببال الناس ثم أطلق على التصريح بالدال مطلقا لأن الشأن أن أحدا لا ينطق باسم الشيء إلا إذا خطر بباله وقد فرق بعض اللغويين بين مكسور الذال ومضمومه فجعل المكسور للساني والمضموم للعقلي ولعلها تفرقة استعمالية مولدة إذ لا يحجر على المستعمل تخصيصه أحد مصدري الفعل الواحد لأحد معاني الفعل عند التعبير فيصير ذلك اصطلاحيا استعماليا لا وضعا حتى يكون من المترادف إذ اتحاد الفعل مانع من دعوى ترادف المصدرين فقد قال عمر Bه أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه فسمي النوعين ذكرا . والمقصود هنا الذكر العقلي إذ ليس المراد ذكر النعمة باللسان .
والمراد بالنعمة هنا جميع ما أنعم الله به على المخاطبين مباشرة أو بواسطة الإنعام على أسلافهم فإن النعمة على الأسلاف نعمة على الأبناء لأنها سمعة لهم وقدوة يقتدون بها وبركة تعود عليهم منها وصلاح حالهم الحاضر كان بسببها وبعض النعم يكون فيما فطر الله عليه الإنسان من فطنة وسلامة ضمير وتلك قد تورث في الأبناء . ولولا تلك النعم لهلك سلفهم أو لساءت حالهم فجاء أبناؤهم في شر حال . فيشمل هذا جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم فهو بمنزلة اذكروا نعمي عليكم . وهذا العموم مستفاد من إضافة نعمة إلى ضمير الله تعالى إذ الإضافة تأتي لما تأتي له اللام ولا يستقيم من معاني اللام العهد إذ ليس في الكلام نعمة معينة معهودة ولا يستقيم معنى اللام الجنسية فتعين أن تكون الإضافة على معنى لام الاستغراق فالعموم حصل من إضافة نعمة إلى المعرفة وقليل من علماء أصول الفقه من يذكرون المفرد المعرف بالإضافة في صيغ العموم وقد ذكره الإمام الرازي في المحصول في أثناء الاستدلال . وقال ولي الدين الإضافة عند الإمام أدل على العموم من اللام وقال ابن السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب : دلالة المفرد المضاف على العموم ما لم يتحقق عهد هو الصحيح نحو قوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) أي كل أمره وقد تأيد قصد عموم النعمة بأن المقام للامتنان والدعوة إلى الإسلام فيناسبه تكثير النعم . والمراد النعم التي أنعم الله بها على أسلافهم وعلى الحاضرين منهم زمن نزول القرآن فإن النعمة على أسلافهم نعمة عليهم وقد تتابعت النعم عليهم إذ بوأهم قرى في بلاد العرب بعد أن سلبت بلادهم فلسطين وجعلهم في بحبوحة من العيش مع الأمن والثروة ومسالمة العرب لهم . والأمر بذكر النعمة هنا مراد منه لازمه وهو شكرها ومن أول مراتب الشكر ترك المكابرة في تلقي ما ينسب إلى الله من الرسالة بالنظر في أدلتها ومتابعة ما يأتي به المرسلون . فقوله ( التي أنعمت عليكم ) وصف أشير به إلى وجوب شكر النعم لما يؤذن الموصول وصلته من التعليل فهو من تاب قوله تعالى ( وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) .
A E
