ويفيد مع ذلك أمرهم بتفكر النعم التي أنعم بها عليهم لينصرفوا بذلك عن حسد غيرهم فإن تذكير الحسود بما عنده من النعم عظة له وصرف له عن الحسد الناشئ عن الاشتغال بنعم الغير وهذا تعريض بهم أنهم حاسدون للعرب فيما أوتوا من الكتاب والحكمة ببعثة محمد A وانتقال النبوة من بني إسرائيل إلى العرب وإنما ذكروا بذلك لأن للنفس غفلة عما هو قائم بها وإنما تشتغل بأحوال غيرها لأن الحس هو أصل المعلومات فإذا رأى الحاسد نعم الغير نسى أنه أيضا في نعمة فإذا أريد صرفه عن الحسد ذكر بنعمه حتى يخف حسده فإن حسدهم هو الذي حال دون تصديقهم به فيكون وزانه وزان قوله تعالى ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) وتقديمه على قوله ( وأوفوا بعهدي ) من باب تقديم التخلية بالمعجمة على التخلية بالمهملة ويكون افتتاح خطابهم بهذا التذكير تهيئة لنفوسهم إلى تلقي الخطاب بسلامة طوية وإنصاف .
وقوله تعالى ( وأوفوا بعهدي ) هو فعل مهموز من " وفى " المجرد وأصل معنى وفى أتم الأمر تقول وفيته حقه ولما كان المجرد متعديا للمفعول ولم يكن في المهموز زيادة تعدية للتساوي بين قولك وفيته حقه وأوفيته حقه تعينت الزيادة لمجرد المبالغة في التوفية مثل بان وأبات وشغل وأشغل وأما وفى بالتضعيف فهو أبلغ من أوفى لأن فعل وإن شارك أفعل في معانيه إلا أنه لما كان دالا على التقضي شيئا بعد شيء كان أدل على المبالغة لأن شأن الأمر الذي يفعل مدرجا أن يكون أتقن . وقد أطلق الوفاء على تحقيق الوعد والعهد إطلاقا شائعا صيره حقيقة . والعهد تقدم معناه عند قوله تعالى ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) في هذه السورة .
والعهد هنا هو الالتزام للغير بعاملة التزاما لا يفرط فيه المعاهد حتى يفسخاه بينهما واستعير العهد المضاف إلى ضمير الجلالة لقبول ما يكلفهم به من الدين واستعمل مجازا لقبول التكاليف والدخول في الدين واستعير المضاف إلى ضمير المخاطبين للوعد على ذلك بالثواب في الآخرة والنصر في الدنيا فلك أن تجعل كل عهد مجازا مفردا استعمل العهد الأول في التكاليف واستعمل العهد الثاني في الوعد بالثواب والنصر واستعمل الإيفاء مع كليهما في تحقيق ما التزم به كلا الجانبين مستعارا من ملائم المشبه به إلى ملائم المشبه ترشيحا لاستعارته ولك أن تجعل المجموع استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة الحاصلة من قولهم لما أمرهم الله به وأن لا يقصروا في العمل ومن وعد الله إياهم على ذلك بالثواب بهيئة المتعاهدين على التزام كل منهما بعمل للآخر ووفائه بعهده في عدم الإخلال به فاستعير لهذه الهيئة الكلام المشتمل على قوله ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) وهذا أحسن وبه يتبين وجه استعمال لفظ العهد الثاني في قوله تعالى ( أوف بعهدكم ) وتقربه المشاكلة .
وعلى الوجهين فالعهد في الموضعين مضاف للمفعول وهو ما ذهب إليه صاحب الكشاف لأن إضافته إلى المفعول متعينة إذا تعلق به الإيفاء إذ لا يوفى أحد إلا بعهد نفسه فإذا أضيف العهد الذي هو مفعول أوفوا إلى غير فاعل الإيفاء تعين أن تكون إضافته للمفعول وبذلك يتم ترشيح المجاز إن كان مفردا كما أشار له المحقق التفتزاني فإن كان مركبا فأخلق به لأن اللفظ الموضوع للهيئة المشبه بها يضاف بقيد الإيفاء إلى مفعوله لا محالة .
ومن لطائف القرآن في اختيار لفظ العهد للاستعارة هنا لتكليف الله تعالى إياهم أن ذلك خطاب لهم باللفظ المعروف عندهم في كتبهم فإن التوراة المنزلة على موسى عليه السلام تلقب عندهم بالعهد لأنها وصايات الله تعالى لهم ولذا عبر عنه في مواضع من القرآن بالميثاق وهذا من طرق الإعجاز العلمي الذي لا يعرفه إلا علماؤهم وهم أشح به منهم في كل شيء بحيث لا يعرف ذلك إلا خاصة أهل الدين فمجيئه على لسان النبي العربي الأمي دليل على أنه وحي من العلام بالغيوب . والعهد قد أخذ على أسلافهم بواسطة رسلهم وأنبيائهم قال تعالى ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ) الآية وإذ قد كان المخاطبون بالآية قد تلقوا الشريعة من أسلافهم بما فيها من عهد فقد كان العهد لازما لهم وكان الوفاء متعينا عليهم لأنهم الذين جاء فيهم الرسول الموعود به .
A E
