هذا والتقديم إذا اقترن بالفاء كان فيه مبالغة لأن الفاء كما في هذه الآية مؤذنة بشرط مقدر ولما كان هذا الشرط لا دليل عليه إلا الفاء تعين تقديره عاما نحو إن يكن شيء أو مهما يكن شيء كما أشار له صاحب الكشاف في قوله تعالى ( وربك فكبر ) حيث قال " ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل مهما كان فلا تدع تكبيره " . فالمعنى هنا وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ومهما يكن شيء فإياي ارهبوني فلما حذفت جملة الشرط بعد واو العطف بقيت فاء الجواب موالية لواو العطف فزحلقت إلى أثناء الجواب كراهية توالي حرفين فقيل وإياي فارهبون بدلا عن أن يقال فارهبون . والتعليق على الشرط العام يستلزم تحقق وقوع الجواب لأن التعليق الشرطي بمنزلة ربط المسبب بالسبب فإذا كان المعلق عليه أمرا محقق الوقوع لعدم خلو الحدثان عنه تعين تحقق وقوع المعلق وهذا مبني على مذهب سيبويه في باب الأمر والنهي يختار فيهما النصب في الاسم الذي يبني عليه الفعل وذلك مثل قولك زيدا اضربه ومثل ذلك أما زيدا فاقتله فإذا قلت زيد فاضربه لم يستقم أن تحمله على الابتداء ألا ترى أنك لو قلت زيد فمنطلق لم يستقم ثم أشار إلى أن الفاء هنا في معنى فاء الجزاء فمن ثم جزم الزمخشري بأن هاته الفاء مهما وجدت في الاشتغال دلت على شرط عام محذوف وإن الفاء كانت داخلة على الاسم فزحلقت على حكم فاء جواب أما الشرطية وأحسب أن مثل هذا التركيب من مبتكر أساليب القرآن ولم أذكر أني عثرت على مثله في كلام العرب .
ومما يؤيد ما ذهب إليه صاحب الكشاف المبني على كلام سيبويه من اعتبار الفاء مشعرة بشرط مقدر أن غالب مواقع هاته الفاء المتقدم معها المفعول على مدخلها أن تقع بعد نهي أو أمر يناقض الأمر والنهي الذي دخلت عليه تلك الفاء نحو قوله تعالى ( ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ) إلى قوله ( بل الله فاعبد ) وقول الأعشى " ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا " فكان ما يتقدم هاته الفاء يتولد منه شرط في المعنى وكانت الفاء مؤذنة بذلك الشرط وعلامة عليه فلأجل كونه مدلولا عليه بدليلين أصله وفرعه كان كالمذكور كأنه قيل لئن أشركت ليحبطن عملك وفإن كنت عابدا شيئا فالله فاعبد وكذا في البيت وهذه فائدة لم يفصح عنها السلف فخذها ولا تخف .
قال التفتزاني ونقل عن صاحب الكشاف أنه قال إن في قوله تعالى ( وإياي فارهبون ) وجوها من التأكيد : تقديم الضمير المنفصل . وتأخير المتصل . والفاء الموجبة معطوفا عليه ومعطوفا تقديره إياي ارهبوا فارهبون أحدهما مقدر والثاني مظهر . وما في ذلك من تكرار الرهبة . وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء كأنه قيل إن كنتم راهبين شيئا فارهبون ا ه . يريد أن في تقديم الضمير إفادة الاختصاص والاختصاص تأكيد قال صاحب المفتاح ليس الحصر والتخصيص إلا تأكيدا على تأكيد وأما تأخير الضمير المتصل فلما في إعادة الإسناد من التقوى ومراد الزمخشري بقوله معطوفا عليه ومعطوفا العطف اللغوي أي معقبا ومعقبا به لا العطف النحوي إذ لا يستقيم هنا . فتحصل أن في التعبير عن مثل هذا الاختصاص في كلام البلغاء مراتب أربع : مجرد التقديم للمفعول نحو إياك نعبد . وتقديمه على فعله العامل في ضميره نحو زيدا رهبته . وتقديمه على فعله مع اقتران الفعل بالفاء نحو وربك فكبر . وتقديمه على فعله العامل في ضميره مع اقتران الفعل بالفاء نحو وإياي فارهبون .
فالثانية والثالثة والرابعة أوكد منهما .
A E