وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية في قوله ( فارهبون ) للجمهور من العشرة في الوصل والوقف وأثبتها يعقوب في الوصل والوقف . وجمهور العرب يحذفونها في الوقف دون الوصل وهذيل يحذفونها في الوقف والوصل وأهل الحجاز يثبتونها في الحالين وإنما اتفق الجمهور هنا على حذفها في الوصل مثل الوقف لأن كلمة ( فارهبون ) كتبت في المصحف الإمام بدون ياء وقرئت كذلك في سنة القراءة . ووجه ذلك أنها وقعت فاصلة فاعتبروها كالموقوف عليها قال سيبويه في باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف " وجميع ما لا يحذف في الكلام وما يختار فيه أن لا يحذف يحذف في الفواصل والقوافي " . ولأن لغة هذيل تحذفها مطلقا وقراءة يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف جرى على لغة أهل الحجاز ولأنه رواها بالإثبات وهو وجه في العربية ويكون قد تأول كتابتها بدون ياء في المصحف أنه اعتماد على أن القارئ يجريها على روايته ولذلك لو لم تكن ياء المتكلم في كلمة هي فاصلة من الآي لما اتفق الجمهور على حذفها كما في قوله تعالى ( أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) كما سيأتي .
( وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ) شروع في دعوة بني إسرائيل إلى الإسلام وهدى القرآن وهذا هو المقصود من خطابهم ولكن قدم بين يديه ما يهيئ نفوسهم إلى قبوله كما تتقدم المقدمة على الغرض والتخلية على التحلية .
والإيمان بالكتاب المنزل من عند الله أو يكتب الله وإن كان من جملة ما شمله العهد المشار إليه بقوله ( وأوفوا بعهدي ) إلا أنه لم يلتفت إليه هنا من تلك الجهة لأنهم عاهدوا الله على أشياء كثيرة كما تقدم ومن جملتها الإيمان بالرسل والكتب التي تأتي بعد موسى عليه السلام إلا إن ذلك مجمل في العهد فلا يتعين أن يكون ما جاء به محمد A هو مما عاهدوا الله عليه بل حتى يصدقوا بأنه من عند الله وأن الجائي به رسول من الله فهم مدعوون إلى ذلك التصديق هنا . فعطف قوله ( وأمنوا ) على قوله ( وإياي فارهبون ) كعطف المقصد على المقدمة وعطفه على قوله ( وأوفوا بعهدي ) من قبيل عطف الخاص على العام في المعنى ولكن هذا من عطف الجمل فلا يقال فيه عطف خاص على عام لأنه إنما يكون في عطف الجزئي عاى الكلي من المفردات لا في عطف الجمل وإنما أردنا تقريب موقع الجملة وتوجيه إيرادها موصولة غير مفصولة .
وفي تعليق الأمر باسم الموصول وهو ما أنزلت دون غيره من الأسماء نحو الكتاب أو القرآن أو هذا الكتاب إيماء إلى تعليل الأمر بالإيمان به وهو أنه منزل من الله وهم قد أوصوا بالإيمان بكل كتاب يثبت أنه منزل من الله . ولهذا أتى بالحال التي هي علة الصلة إذ جعل كونه مصدقا لما في التوراة علامة على أنه من عند الله . وهي العلامة الدينية المناسبة لأهل العلم من أهل الكتاب فكما جعل الإعجاز اللفظي علامة على كون القرآن من عند الله لآهل الفصاحة والبلاغة من العرب كما أشير إليه بقوله ( ألم ذلك الكتاب ) إلى قوله ( فأتوا بسورة من مثله ) ؛ كذلك جعل الإعجاز المعنوي وهو اشتماله على الهدى الذي هو شأن الكتب الإلهية علامة على أنه من عنده لأهل الدين والعلم بالشرائع .
ثم الإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان بالذي جاء به وبالذي أنزله .
A E
