والمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام فيكون هذا المركب قد كني به عن معنيين من ملزوماته هما معنى المبادرة إلى الإسلام ومعنى التوبيخ المكنى عنه بالنهي فيكون معنى النهي مرادا ولازمه وهو الأمر بالمبادرة بالإيمان مرادا وهو المقصود فيكون الكلام كناية اجتمع فيها الملزوم واللازم معا فباعتبار اللازم يكون النهي في معنى الأمر فيتأكد به الأمر الذي قبله كأنه قيل ( وآمنوا بما أنزلت ) وكونوا أول المؤمنين وباعتبار الملزوم يكون نهيا عن الكفر بعد بالإيمان فيحصل بذلك غرضان . وهذه الكناية تعريضية لأن غرض المعنى الكنائي غير غرض المعنى الصريح وهذا هو الذي استخلصته في تحقيق معنى التعريض وهو أن يكون غرض الحكم المشار إليه به غير غرض الحكم المصرح به أو أن يكون المحكوم له به غير المحكوم له بالصريح . وهذا الوجه مستند إلى الظاهر والتحقيق بين متناثر كلامهم في التعريض المعروف من الكناية ويندفع بهذا سؤالان مستقلان أحدهما ناشئ عما قبله : الأول كيف يصح النهي عن أن يكونوا أول الكافرين ومفهومه يقتضي أنهم لو كفروا به ثانيا لما كان كفرهم منهيا عنه . الثاني أنه قد سبقهم أهل مكة للكفر لأن آية البقرة في خطاب اليهود نزلت في المدينة فقد تحقق أن اليهود لم يكونوا أول الكافرين فالنهي عن أن يكونوا أول الكافرين تحصيل حاصل . ووجه الاندفاع أن المقصود الأهم هو المعنى التعريضي وهو يقوم قرينة على أن القصد من النهي أن لا يكونوا من المبادرين بالكفر أي لا يكونوا متأخرين في الإيمان وهذا أول الوجوه في تفسير الآية عند صاحب الكشاف واختاره البيضاوي فاقتصر عليه .
واعلم أن التعريض في خصوص وصف ( أول ) وأما أصل النهي عن أن يكونوا كافرين به فذلك مدلول اللفظ حقيقة وصريحا . والتعريض من قبيل الكناية التلويحية لما فيه من خفاء الانتقال من المعنى إلى لوازمه . وبعض التعريض يحصل من قرائن الأحوال عند النطق بالكلام ولعل هذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا كناية وهو من مستتبعات التراكيب ودلالتها العقلية وسيجيء لهذا زيادة بيان عند قوله تعالى ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) في هذه السورة .
المعنى الثاني أن يكون المقصود التعريض بالمشركين وأنهم أشد من اليهود كفرا أي لا تكونوا في عدادهم ولعل هذا هو مراد صاحب الكشاف من قوله " ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة " ولا يريد أنه تشبيه بليغ وإن كان كلامه يوهمه وسكت عنه شراحه .
المعنى الثالث : أن يراد من ( أول ) المبادر والمستعجل لأنه من لوازم الأولية كما قال تعالى ( فأنا أول العابدين ) وقال سعيد بن مقروم الضبي : .
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل فقوله أول نازل لا يريد تحقيق أنه لم ينزل أحد قبله وإنما أراد أنه بادر مع الناس فإن الشأن أنه إذا دعا القوم نزال أن ينزل السامعون كلهم ولكنه أراد أنه ممن لم يتربص . ويكون المعنى ولا تعجلوا بالتصريح بالكفر قبل التأمل فالمراد من الكفر هنا التصميم عليه لا البقاء على ما كانوا عليه فتكون الكناية بالمفرد وهو كلمة أول .
المعنى الرابع : أن يكون ( أول ) كناية عن القدوة في الأمر لأن الرئيس وصاحب اللواء ونحوهما يتقدمون القوم قال تعالى ( يقدم قومه يوم القيامة ) وقال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي : .
فلا تجز عن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها أي الأجدر والناصر لسنة . والمعنى ولا تكونوا مقرين للكافرين بكفركم فإنهم إن شاهدوا كفركم كفروا اقتداء بكم وهذا أيضا كناية بالمفرد .
المعنى الخامس : أن يكون المراد الأول بالنسبة إلى الدعوة الثانية وهي الدعوة في المدينة لأن ما بعد الهجرة هو حال ثانية للإسلام فيها ظهر الإسلام متميزا مستقلا .
A E
