هذا كله مبني على جعل الضمير المجرور بالباء في قوله ( كافر به ) عائدا على ( ما أنزلت ) أي القرآن وهو الظاهر لأنه ذكر في مقابل الإيمان به . وقيل إن الضمير عائد على ما معكم وهو التوراة قال ابن عطية : " وعلى هذا القول يجيء أول كافر مستقيما على ظاهره في الأولية " ولا يخفى أن هذا الوجه تكلف لأنه مؤول بأن كفرهم بالقرآن وهو الذي جاء على نحو ما وصفت التوراة وكتب أنبيائهم في بشاراتهم بنبئ وكتاب يكونان من بعد موسى فإذا كذبوا بذلك فقد كفروا بصحة ما في التوراة فيفضي إلى الكفر بما معهم .
قال التفتزاني : وهذا كله إنما يتم لو كان كفرهم به بمعنى ادعائهم أنه كله كذب وأما إذا كفروا بكونه كلام الله واعتقدوا أن فيه صدقا وكذبا فلا يتم ولهذا كان هذا الوجه مرجوحا ورده عبد الحكيم بما لا يليق به .
وبهذا كله يتضح أن قوله ( ولا تكونوا أول كافر به ) لا يتوهم منه أن يكون النفي منصبا على القيد بحيث يفيد عدم النهي عن أن يكونوا ثاني كافر أو ثالث كافر بسبب القرينة الظاهرة وأن أول كافر ليس من قبيل الوصف الملازم حتى يستوي في نفي موصوفه أن يذكر الوصف وأن لا يذكر كقول امرئ القيس : .
" " على لا حب لا يهتدي بمناره " وقول ابن أحمر : .
" " ولا ترى الضب بها ينجحر " كما سيأتي في قوله تعالى ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) عقب هذا .
( ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا ) عطف على النهي الذي قبله وهذا النهي موجه إلى علماء بني إسرائيل وهم القدوة لقومهم والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم قال النبي A : لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم .
والاشتراء تقدم عند قوله تعالى ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) وهو اعتياض أعيان بغيرها مثلها أو ثمنها من النقدين ونحوهما كأوراق المال والسفاتج وقد استعير الاشتراء هنا لاستبدال شيء بآخر دون تبايع .
والآيات جمع آية وأصلها في اللغة العلامة على المنزل أو على الطريق قال النابغة : .
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع ثم أطلقت الآية على الحجة لأن الحجة علامة على الحق قال الحارث ابن حلزة : .
من لنا عنده من الخير آيا ... ت ثلاث في كلهن القضاء ولذلك سميت معجزة الرسول آية كما في قوله تعالى ( في تسع آيات إلى فرعون وقومه ) ( وإذا لم تأتهم بآية ) وأطلقت أيضا على الجملة التامة من القرآن قال تعالى ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) وفي الحديث الصحيح قال رسول الله : أما تكفيك آية الصيف ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) لأن جمل القرآن حجة على صدق الرسول لأن بلاغتها معجزة . وأما إطلاق آية على الجملة من التوراة في حديث الرجم في قول الراوي فوضع المدارس يده على آية الرجم فذلك مجاز على مجاز لعلاقة المشابهة . ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشتري في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته ففي " تشتروا " استعارة تحقيقية في الفعل ويجوز كون تشتروا مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم أو بعلاقة الاستعمال المقيد في المطلق كما تقدم في قوله تعالى ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) لكن هنا الاستعارة متأتية فهي أظهر لظهور علاقة المشابهة واستغناء علاقة المشابهة عن تطلب وجه العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأن مقصد التشبيه وحده كاف في العدول إلى الاستعارة إذ التشبيه من مقاصد البلغاء . وإذ قد كان فعل الاشتراء يقتضي شيئين أبدل أحدهما بالآخر جعل العوض المرغوب فيه هو المشتري وهو المأخوذ ويعدى إلى الفعل بنفسه وجعل العوض الآخر هو المدفوع ويسمى الثمن ويتعدى الفعل إليه بالباء الدالة على معنى العوض .
A E