فالإضراب الأول قوله تعالى ( بل هم عن ذكر ربهم معرضون ) وهو ارتقاء من التقريع المجعول للإصلاح إلى التأييس من صلاحهم بأنهم عن ذكر ربهم معرضون فلا يرجى منهم الانتفاع بالقوارع أي أخر السؤال والتقريع واتركهم حتى إذا تورطوا في العذاب عرفوا أن لا كالئ لهم .
ثم أضرب إضرابا ثانيا ب ( أم ) المنقطعة التي هي أخت ( بل ) مع دلالتها على الاستفهام لقصد التقريع فقال : ( أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ) أي بل ألهم آلهة والاستفهام إنكار وتقريع أي ما لهم آلهة مانعة لهم من دوننا . وهذا إبطال لمعتقدهم أنهم اتخذوا الأصنام شفعاء .
A E وجملة ( لا يستطيعون نصر أنفسهم ) مستأنفة معترضة . وضمير ( يستطيعون ) عائد إلى آلهة أجري عليهم ضمير العقلاء مجاراة لما يجريه العرب في كلامهم . والمعنى : كيف ينصرونهم وهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم مؤيدون من الله بالقبول .
ثم أضرب إضرابا ثالثا انتقل به إلى كشف سبب غرورهم الذي من جهلهم به حسبوا أنفسهم آمنين من أخذ الله إياهم بالعذاب فجرأهم ذلك على الاستهزاء بالوعيد وهو قوله تعالى ( بل متعنا هؤلاء وآباءهم ) أي فما هم مستمرون فيه من النعمة إنما هو تمتيع وإمهال كما متعنا آباءهم من قبل وكما كان لآبائهم آجال انتهوا إليها كذلك يكون لهؤلاء ولكن الآجال تختلف بحسب ما علم الله من الحكمة في مداها حتى طالت أعمار آياتهم . وهذا تعريض بأن أعمار هؤلاء لا تبلغ أعمار آبائهم وأن الله يحل بهم الهلاك لتكذيبهم إلى أمد علمه .
وقد وجه الخطاب إليهم ابتداء بقوله تعالى ( قل من يكلؤكم ) ثم أعرض عنهم من طريق الخطاب إلى طريق الغيبة لأن ما وجه إليهم من إنكار أن يكلأهم أحد من عذاب الله جعلهم أحرياء بالإعراض عنهم كما في قوله تعالى ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بربح طيبة وفرحوا بها ) الآية في سورة يونس .
و ( يصحبون ) إما مضارع صحبة إذا خالطه ولازمه والصحبة تقتضي النصر والتأييد فيجوز أن يكون الفاعل الذي ناب عنه من أسند إليه الفعل المبني للنائب مرادا به الله تعالى أي لا يصحبهم الله أي لا يؤيدهم ؛ فيكون قوله تعالى ( منا ) متعلقا ب ( يصحبون ) على معنى ( من ) الاتصالية أي صحبة متصلة بنا بمعنى صحبة متينة . وهذا نفي لما اعتقده المشركون بقولهم ( ما نعيدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) .
ويجوز أن يكون الفاعل المحذوف محذوفا لقصد العموم أي لا يصحبهم صاحب أي لا يجيرهم جار فإن الجوار يقتضي حماية الجار فيكون قوله تعالى ( منا ) متعلقا ب ( يصحبون ) على معنى ( من ) التي بمعنى ( على ) كقوله تعالى ( فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ) .
وإما مضارع أصحبه المهموز بمعنى حفظه ومنعه أي من السوء .
والإشارة ب ( هؤلاء ) لحاضرين في الأذهان وهم كفار قريش .
وقد استقربت أن القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة دون وجود مشار إليه في الكلام فهو يعني بها كفار قريش .
( أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون [ 44 ] ) تفريع على إحالتهم نصر المسلمين وعدهم تأخير الوعد به دليلا على تكذيب وقوعه حتى قالوا : ( متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) تهكما وتكذيبا . فلما أنذرهم بما سيحل بهم في قوله تعالى ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ) إلى قوله تعالى ( ما كانوا به يستهزئون ) فرع على ذلك كله استفهاما تعجيبيا من عدم اهتدائهم إلى أمارات اقتران الوعد بالموعود استدلالا على قربه بحصول أماراته .
والرؤية علمية وسدت الجملة مسد المفعولين لأنها في تأويل مصدر أي أعجبوا من عدم اهتدائهم إلى نقصان أرضهم من أطرافها وأن ذلك من صنع الله تعالى بتوجه عناية خاصة لكونه غير جار على مقتضي الغالب المعتاد فمن تأمل علم أنه من عجيب صنع الله تعالى . وكفى بذلك دليلا على تصديق الرسول A وعلى صدق ما وعدهم به وعناية ربه به كما دل عليه فعل ( نأتي ) .
فالإتيان تمثيل بحال الغازي الذي يسعى إلى أرض قوم فيقتل ويأسر كما تقدم في قوله تعالى ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) .
والتعريف في ( الأرض ) تعريف العهد أي أرض العرب كما في قوله تعالى في سورة يوسف ( فلن أبرح الأرض ) أي أرض مصر .
والنقصان : تقليل كمية شيء
