خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلق بجميع ما عدد لهم من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمات له أحسن وقع من البلاغة فإنهم لما خوطبوا بالترغيب والترهيب والتنزيه والتشويه ظن بهم أنهم لم يبق في نفوسهم مسلك للشيطان ولا مجال للخذلان وأنهم أنشأوا يتحفزون للامتثال والائتساء إلا أن ذلك الإلف القديم يثقل أرجلهم في الخطو إلى هذا الطريق القويم فوصف لهم الدواء الذي به الصلاح وريش بقادمتي الصبر والصلاة منهم الجناح . فالأمر بالاستعانة بالصبر لأن الصبر ملاك الهدى فإن مما يصد الأمم عن اتباع دين قويم إلفهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها فإذا تدرعوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق . وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكيد الأمر بها الذي في قوله ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وهذا إظهار لحسن الظن بهم وهو طريق بديع من طرق الترغيب . ومن المفسرين من زعم أن الخطاب في قوله ( واستعينوا ) إلخ للمسلمين على وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر وهذا وهم لأن وجود حرف العطف ينادي على خلاف ذلك ولأن قوله ( إلا على الخاشعين ) مراد به ( إلا على المؤمنين ) حسبما بينه قوله ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) الآية اللهم إلا أن يكون من الإظهار في مقام الإضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود الداعي . والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من لم يكن قد آمن بعد وأي عجب في هذا ؟ وقريب منه آنفا قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ) خطابا لبني إسرائيل لا محالة . والصبر عرفه الغزالي في إحياء علوم الدين بأنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة وهو تعريف خاص بالصبر الشرعي صالح لن يكون تفسيرا للآية لأنها في ذكر الصبر الشرعي وأما الصبر من حيث هو الذي هو وصف كمال فهو عبارة عن احتمال النفس أمرا لا يلائمها إما لأن مآله ملائم أو لأن عليه جزاء عظيما فأشبه ما مآله ملائم أو لعدم القدرة على الانتقال عنه إلى غيره مع تجنب الجزع والضجر فالصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم وأقل أنواعه ما كان عن عدم المقدرة ولذا ورد في الصحيح " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " أي الصبر الكامل هو الذي يقع قبل العلم بأن التفصي عن ذلك الأمر غير ممكن وإلا فإن الصبر عند اعتقاد عدم إمكان التفصي إذا لم يصدر منه ضجر وجزع هو صبر حقيقة فصيغة الحصر في قوله إنما الصبر حصر ادعائي للكمال كما في قولهم أنت الرجل .
والصلاة أريد بها هنا معناها الشرعي في الإسلام وهي مجموع محامد لله تعالى قولا وعملا واعتقادا فلا جرم كانت الاستعانة المأمور بها هنا راجعة لأمرين الصبر والشكر وقد قيل إن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر كما في الإحياء وهو قول حسن ومعظم الفضائل ملاكها الصبر إذ الفضائل تنبعث عن مكارم الخلال والمكارم راجعة إلى قوة الإرادة وكبح زمام النفس عن الإسامة في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا يفيد كمالا أو عما يورث نقصانا فكان الصبر ملاك الفضائل فما التحلم والتكرم والتعلم والتقوى والشجاعة والعدل والعمل في الأرض ونحوها إلا من ضروب الصبر . ومما يؤثر عن علي Bه : الشجاعة صبر ساعة .
وقال زفر بن الحارث الكلابي يعتذر عن انهزام قومه : .
سقيناهم كاسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا وحسبك بمزية الصبر أن الله جعله مكمل سبب الفوز في قوله تعالى ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) وقال هنا ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) . قال الغزالي : ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) . وقال ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) وقال ( إن الله مع الصابرين ) اه .
A E
