وأنت إذا تأملت وجدت أصل التدين والإيمان من ضروب الصبر فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته وبوجوب طاعتها واحدا من جنسها لا تراه يفوقها في الخلقة وفي مخالفة عادة آبائها وأقوامها من الديانات السابقة . فإذا صار الصبر خلقا لصاحبه هون عليه مخالفة ذلك كله لأجل الحق والبرهان فظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر فإنه خلق يفتح أبواب النفوس لقبول ما أمروا به من ذلك .
وأما الاستعانة بالصلاة فلأن الصلاة شكر والشكر يذكر بالنعمة فيبعث على امتثال المنعم على أن في الصلاة صبرا من جهات في مخالفة حال المرء المعتادة ولزومه حالة في وقت معين لا يسوغ له التخلف عنها ولا الخروج منها على أن في الصلاة سرا إلهيا لعله ناشئ عن تجلي الرضوان الرباني على المصلي فلذلك نجد للصلاة سرا عظيما في تجلية الأحزان وكشف غم النفس وقد ورد في الحديث " أن النبي A كان إذا حزبه " بزاي وباء موحدة أي نزل به " أمر فزع إلى الصلاة " وهذا أمر يجده من راقبه من المصلين وقال تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) لأنها تجمع ضروبا من العبادات . وأما كون الشكر من حيث هو معينا على الخير فهو من مقتضيات قوله تعالى ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) . وقوله ( وإنها لكبيرة ) اختلف المفسرون في معاد ضمير ( إنها ) فقيل عائد إلى الصلاة والمعنى : إن الصلاة تصعب على النفوس لأنها سجن للنفس وقيل الضمير للاستعانة بالصبر والصلاة المأخوذة من استعينوا على حد ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) . وقيل راجع إلى المأمورات المتقدمة من قوله تعالى ( اذكروا نعمتي ) إلى قوله ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) وهذا الأخير مما جوزه صاحب الكشاف ولعله من مبتكراته وهذا أوضح الأقوال وأجمعها والمحامل مرادة .
والمراد بالكبيرة هنا الصعبة التي تشق على النفوس وإطلاق الكبر على الأمر الصعب والشاق مجاز مشهور في كلام العرب لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير في حمله أو تحصيله قال تعالى ( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) وقال ( وإن كان كبر عليك إعراضهم ) الآية . وقال ( كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) .
وقوله ( إلا على الخاشعين ) أي الذين اتصفوا بالخشوع والخشوع لغة هو الانزواء والانخفاض قال النابغة : .
" " ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع " أي زال ارتفاع جوانبه . والتذلل خشوع قال جعفر بن عبلة الحارثي : .
فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق وهو مجاز في خشوع النفس وهو سكون وانقباض عن التوجه إلى الإباية أو العصيان . والمراد بالخاشع هنا الذي ذلل نفسه وكسر سورتها وعودها أن تطمئن إلى أمر الله وتطلب حسن العواقب وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير . وكأن المراد بالخاشعين هنا الخائفون الناظرون في العواقب فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة مع ما في الصبر من القمع للنفس وما في الصلاة من التزام أوقات معينة وطهارة في أوقات قد يكون للعبد فيها اشتغال بما يهوي أو بما يحصل منه مالا أو لذة . وقريب منه قول كثير : .
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت وأحسب أن مشروعية أحكام كثيرة قصد الشارع منها هذا المعنى وأعظمها الصوم . ولا يصح حمل الخشوع هنا على خصوص الخشوع في الصلاة بسبب الحال الحاصل في النفس باستشعار العبد الوقوف بين يدي الله تعالى حسبما شرحه ابن رشد في أول مسألة من كتاب الصلاة الأول من البيان والتحصيل وهو المعنى المشار إليه بقوله تعالى ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) فإن ذلك كله من صفات الصلاة وكمال المصلي فلا يصح كونه هو المخفف لكلفة الصلاة على المستعين بالصلاة كما لا يخفي .
وقد وصف تعالى الخاشعين بأنهم الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون وهي صلة لها مزيد اتصال بمعنى الخشوع ففيها معنى التفسير للخاشعين ومعنى بيان منشأ خشوعهم فدل على أن المراد من الظن هنا الاعتقاد الجازم وإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير جدا قال أوس بن حجر يصف صيادا رمى حمار وحش بسهم : .
فأرسله مستقين الظن أنه ... مخالط ما بين الشرا سيف جائف وقال دريد بن الصمة :
