فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم بالفارسي المسرج A E فهو مشترك بين الاعتقاد الجازم وبين الاعتقاد الراجح والملاقاة والرجوع هنا مجازان عن الحساب والحشر أو عن الرؤية والثواب ؛ لأن حقيقة اللقاء " وهو تقارب الجسمين وحقيقة الرجوع وهو الانتهاء إلى مكان خرج منه المنتهي " مستحيلة هنا . والمقصود من قوله ( وإنها لكبيرة ) إلخ التعريض بالثناء على المسلمين وتحريض بني إسرائيل على التهمم بالاقتداء بالمؤمنين وعلى جعل الخطاب في قوله ( واستعينوا ) للمسلمين يكون قوله ( وإنها لكبيرة ) تعريضا بغيرهم من اليهود والمنافقين .
والملاقاة مفاعلة من لقي واللقاء الحضور كما تقدم في قوله ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) والمراد هنا الحضور بين يدي الله للحساب أي الذين يؤمنون بالبعث وسيأتي تفصيل لها عند قوله تعالى ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) في هذه السورة وفي سورة الأنعام عند قوله تعالى ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) .
( يا بني إسرآءيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العلمين [ 47 ] ) أعيد خطاب بني إسرائيل بطريق النداء مماثلا لما وقع في خطابهم الأول لقصد التكرير للاهتمام بهذا الخطاب وما يترتب عليه فإن الخطاب الأول قصد منه تذكيرهم بنعم الله تعالى ليكون ذلك التذكير داعية لامتثال ما يرد إليهم من الله من أمر ونهي على لسان نبيه A غير أنه لما كان الغرض المقصود من ذلك هو الامتثال كان حق البلاغة أن يفضي البليغ إلى المقصود ولا يطيل في المقدمة وإنما يلم بها إلماما ويشير إليها إجمالا تنبيها بالمبادرة إلى المقصود على شدة الاهتمام به ولم يزل الخطباء والبلغاء يعدون مثل ذلك من نباهة الخطيب ويذكرونه في مناقب وزير الأندلس محمد بن الخطيب السلماني إذ قال عند سفارته عن ملك غرناطة إلى ملك المغرب ابن عنان أبياته المشهورة التي ارتجلها عند الدخول عليه طالعها : .
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح في الدجا قمر ثم قال : .
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما وطنوا ولا عمروا .
وقد أهمتهم نفوسهم ... فوجهوني إليك وانظروا فقال له أبو عنان ما ترجع إليهم إلا بجميع مطالبهم وأذن له في الجلوس فسلم عليه . قال القاضي أبو القاسم الشريف " وكان من جملة الوفد " لم نسمع بسفير قضي سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا .
فكان الإجمال في المقدمة قضاء لحق صدارتها بالتقديم وكان الإفضاء إلى المقصود قضاء لحقه في العناية والرجوع إلى تفصيل النعم قضاء لحقها من التعداد فإن ذكر النعم تمجيد للمنعم وتكريم للمنعم عليه وعظة له ولمن يبلغهم خبر ذلك تبعث على الشكر . فللتكرير هنا نكتة جمع الكلامين بعد تفريقهما ونكتة التعداد لما فيه إجمال معنى النعمة .
والنعمة هنا مراد بها جميع النعم لأنه حنس مضاف فله حكم الجمع كما في قوله تعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) .
وقوله تعالى ( وأني فضلتكم على العالمين ) عطف على ( نعمتي ) أي واذكروا تفضيلي إياكم على العالمين وهذا التفضيل نعمة خاصة فعطفه على نعمتي عطف خاص على عام وهو مبدأ لتفصيل النعم وتعدادها وربما كان تعداد النعم مغنيا عن الأمر بالطاعة والامتثال لأن من طبع النفوس الكريمة امتثال أمر المنعم لأن النعمة تورث المحبة . وقال منصور الوراق : .
تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع .
لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وهذا التذكير مقصود به الحث على الاتسام بما يناسب تلك النعمة ويستبقي ذلك الفضل .
A E
