ومعنى العالمين تقدم عند قوله ( الحمد لله رب العالمين ) والمراد به هنا صنف من المخلوقات ولا شك أن المخلوقات تصنف أصنافا متنوعة على حسب تصنيف المتكلم أو السامع فالعالمون في مقام ذكر الخلق هم أصناف المخلوقات كالإنس والدواب والطير والحوت . والعالمون في مقام ذكر فضائل الخلق أو الأمم أو القبائل يراد بها أصناف تلك المتحدث عنها فلا جرم أن يكون المراد من العالمين هنا هم الأمم الإنسانية فيعم جميع الأمم لأنه جمع معرف باللام ولكن عمومه هنا عرفي يختص بأمم زمانهم كما يختص نحو جمع الأمير الصاغة بصاغة مكانه أي بلده ويختص أيضا بالأمم المعروفة كما يختص جمع الأمير الصاغة بالصاغة المتخذين الصياغة صناعة دون كل من يعرف الصياغة وذلك كقولك هو أشهر العلماء وأنجب التلامذة فالآية تشير إلى تفضيل بني إسرائيل المخاطبين أو سلفهم على أمم عصرهم لا على بعض الجماعات الذين كانوا على دين كامل مثل نصارى نجران فلا علاقة له بمسألة تفضيل الأنبياء على الملائكة بحال ولا التفات إلى ما يشذ في كل أمة أو قبيلة من الأفراد فلا يلزم تفضيل كل فرد من بني إسرائيل على أفراد من الأمم بلغوا مرتبة صالحة أو نبوءة لأن التفضيل في مثل هذا يراد به تفضيل المجموع كما تقول قريش أفضل من طيء وإن كانت في طيء حاتم الجواد .
فكذلك تفضيل بني إسرائيل على جميع أمم عصرهم وفي تلك الأمم أمم عظيمة كالعرب والفرس والروم والهند والصين وفيهم العلماء والحكماء ودعاة الأصلاح والأنبياء لأنه تفضيل المجموع على المجموع في جميع العصور ومعنى هذا التفضيل أن الله قد جمع لهم من المحامد التي تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه لغيرهم وهي : شرف النسب . وكمال الخلق . وسلامة العقيدة . وسعة الشريعة . والحرية . والشجاعة . وعناية الله تعالى بهم في سائر أحوالهم . وقد أشارت إلى هذا آية ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم في وقت اجتماعها وقد شاع أن الفضائل تعود على الخلف بحسن السمعة وإن كان المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل على العالمين ولكنهم ذكروا بما كانوا عليه فأن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا العصور . ووجه زيادة الوصف بقوله ( التي أنعمت عليكم ) مر في أختها الأولى .
( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون [ 48 ] ) عطف التحذير على التذكير فإنه لما ذكرهم بالنعمة وخاصة تفضيلهم على العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقب بالتحذير من ذلك .
والمراد بالتقوى هنا معناها المتعارف في اللغة لا المعنى الشرعي وانتصاب يوما على المفعولية به وليس على الظرفية ولذلك لم يقرأ بغير التنوين .
والمراد باتقائه اتقاؤه من حيث ما يحدث فيه من الأهوال والعذاب فهو من إطلاق اسم الزمان على ما يقع فيه كما تقول مكان مخوف .
وتجزى مضارع جزى بمعنى قضى حقا عن غيره وهو متعد بعن إلى أحد مفعوليه فيكون شيئا مفعوله الأول ويجوز أيضا أن يكون مفعولا مطلقا إذا أريد شيئا من الجزاء ويكون المفعول محذوفا .
وجملة ( لا تجزى نفس ) صفة ليوما وكان حق الجملة إذا كانت خبرا أو صفة أو حالا أو صلة أن تشتمل على ضمير ما أجريت عليه ويكثر حذفه إذا كان منصوبا أو ضميرا مجرورا فيحذف مع جاره ولا سيما إذا كان الجار معلوما لكون متعلقه الذي في الجملة لا يتعدى إلا بجار معين كما هنا تقديره فيه وإنما جاز حذفه لأن المحذوف فيه متعين من الكلام وقد يحذف لقرينة كما في حذف ضمير الموصول إذا جر بما جربه الموصول . ونظير هذا الحذف قول العريان الجرمي من جرم طيء : .
فقلت لها لا والذي حج حاتم ... أخونك عهدا إنني غير خوان تقديره حج حاتم إليه .
A E