واتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للطائعين والتائبين لرفع الدرجات ولم يختلف في ذلك الأشاعرة والمعتزلة فهذا اتفاق على تخصيص العموم ابتداء . والخلاف في الشفاعة لأهل الكبائر فعندنا تقع الشفاعة لهم في حظ السيئات وقت الحساب أو بعد دخول جهنم لما اشتهر من الأحاديث الصحيحة في ذلك قوله A " لكل نبي دعوة مستجابة وقد ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي " وغير ذلك . قال القاضي أبو بكر الباقلاني : إن الأحاديث في ذلك بلغت مبلغ التواتر المعنوي كما أشار إليه القرطبي في نقل كلامه وعند المعتزلة لا شفاعة لأهل الكبائر لوجوه منها الآيات الدالة على عدم نفع الشفاعة كهاته الآية . وقوله ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) . ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) . ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع ) قالوا والمعصية ظلم . ومنها قوله تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) وصاحب الكبيرة ليس بمرتضى . ومنها قوله ( فاغفر للذين تابوا ) . والجواب عن الجميع أن محل ذلك كله في الكافرين جمعا بين الأدلة وأن قوله ( لمن ارتضى ) يدل على أن هنالك إذنا في الشفاعة كما قال ( إلا لمن أذن له ) وإلا لكان الإسلام مع ارتكاب بعض المعاصي مساويا للكفر وهذا لا ترضى به حكمة الله وأما قوله ( فاغفر للذين تابوا ) فدعاء لاشفاعة .
والظاهر أن الذي دعا المعتزلة إلى إنكار الشفاعة منافاتها لخلود صاحب الكبيرة في العذاب الذي هو مذهب جمهورهم الذين فسروا قول وأصل بن عطاء بالمنزلة بين المنزلتين بمعنى إعطاء العاصي حكم المسلم في الدنيا وحكم الكافر في الآخرة ولا شك أن الشفاعة تنافي هذا الأصل فما تمسكوا به من الآيات إنما هو لقصد التأبيد ومقابلة أدلة أهل السنة بأمثالها .
ولم نر جوابهم عن حديث الشفاعة وأحسب أنهم يجيبون عنه بأن أخبار الآحاد لا تنقض أصول الدين ولذلك احتاج الأقاضي أبو بكر إلى الاستدلال بالتواتر المعنوي . والحق أن المسألة أعلق بالفروع منها بالأصول لأنها لا تتعلق بذات الله ولا بصفاته ولو جاريناهم في القول بوجوب إثابة المطيع وتعذيب العاصي فإن الحكمة تظهر بدون الخلود وبحصول الشفاعة بعد المكث في العذاب فلما لم نجد في إثبات الشفاعة ما ينقض أصولهم فنحن نقول لهم : إلا أن هذا حكم شرعي في تقدير صاحب الكبيرة غير التائب وهو يتلقى من قبل الشارع وعليه فيكون تحديد العذاب بمدة معينة أو إلى حصول عفو الله أو مع الشفاعة ولعل الشفاعة تحصل عند إرادة الله تعالى إنهاء مدة التعذيب . وبعد فمن حق الحكمة أن لا يستوي الكافرون والعصاة في مدة العذاب ولا في مقداره فهذه قولة ضعيفة من أقوالهم حتى على مراعاة أصولهم وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع الأمة قبل حدوث البدع على ثبوت الشفاعة في الآخرة وهو حق قال سواد بن قارب يخاطب رسول الله A : .
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب وأما الشفاعة الكبرى العامة لجميع أهل موقف الحساب الوارد فيها الحديث الصحيح المشهور فأن أصول المعتزلة لا تأباها .
وقوله ( ولا يؤخذ منها عدل ) والعدل بفتح العين يطلق على الشيء المساوي شيئا والمماثل له ولذلك جعل ما يفتدى به عن شيء عدلا وهو المراد هنا كما في قوله تعالى ( أو عدل ذلك صياما ) فالمعنى ( ولا يقبل منها ) ما تفتدى به عوضا عن جرمها .
والنصر هو إعانة العدو على عدوه ومحاربه إما بالدفاع معه أو الهجوم معه فهو في العرف مراد منه الدفاع بالقوة الذاتية وأما إطلاقه على الدفاع بالحجة نحو ( من أنصاري إلى الله ) وعلى التشيع والاتباع نحو ( إن تنصروا الله ينصركم ) فهو استعارة .
( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلآء من ربكم عظيم [ 49 ] ) A E
