قوله ( وأنتم تنظرون ) جملة حالية من الفاعل وهو ضمير الجلالة في فرقنا وأنجينا وأغرقنا مقيدة للعوامل الثلاثة على سبيل التنازع فيها ولا يتصور في التنازع في الحال إضمار في الثاني على تقدير إعمال الأول لأن الجملة لا تضمر كما لا يضمر في التنازع في الظرف نحو سكن وقرأ عندك ولعل هذا مما يوجب إعمال الأول وهذا الحال زيادة في تقرير النعمة وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق العدو أيضا نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من مشاهدة معجزة تزيدهم إيمانا وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد . ويجوز أن تكون الجملة حالا من المفعول وهو آل فرعون أي تنظرونهم ومفعول تنظرون محذوف ولا يستقيم جعله منزلا منزلة اللازم .
وإسناد النظر إليهم باعتبار أن أسلافهم كانوا ناظرين ذلك لأن النعمة على السلف نعمة على الأبناء لا محالة فضمير الخطاب مجاز .
( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون [ 51 ] ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون [ 52 ] ) تذكير لهم بنعمة عفو الله عن جرمهم العظيم بعبادة غيره وذلك مما فعله سلفهم فإسناد تلك الأفعال إلى ضمير المخاطبين باعتبار ما عطف عليه من قوله ( ثم عفونا عنكم ) فإن العفو عن الآباء منة عليهم وعلى أبنائهم يجب على الأبناء الشكر عليه كما تقدم عند قوله ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) .
ووقع في الكشاف وتفسير البغوي وتفسير البيضاوي أن الله وعد موسى أن يؤتيه الشريعة بعد أن عاد بنو إسرائيل إلى مصر بعد مهلك فرعون وهذا وهم فإن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر البتة بعد خروجهم كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطور سينا وأن خروجهم كان ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم وقد أشار في الكشاف في سورة الدخان إلى التردد فيه ولا ينبغي التردد في ذلك .
وقوله ( ثم اتخذتم العجل من بعده ) هو المقصود وأما ما ذكر قبله فهو تمهيد وتأسيس لبنائه وتهويل لذلك الجرم إظهارا لسعة عفو الله تعالى وحلمه عنهم . وتوسيط التذكير بالعفو عن هذه السيئة بين ذكر النعم المذكورة مراعاة لترتيب حصولها في الوجود ليحصل غرضان غرض التذكير وغرض عرض تاريخ الشريعة .
والمراد من المواعدة هنا أمر الله موسى أن ينقطع أربعين ليلة لمناجاة الله تعالى وإطلاق الوعد على هذا الأمر من حيث إن ذلك تشريف لموسى ووعد له بكلام الله وبإعطاء الشريعة . وقراءة الجمهور و ( واعدنا ) بألف بعد الواو على صيغة المفاعلة المقتضية حصول الوعد من جانبين الواعد والموعود والمفاعلة على غير بابها لمجرد التأكيد على حد سافر وعافاه الله وعالج المريض وقاتله الله فتكون مجازا في التحقيق لأن المفاعلة تقتضي تكرر الفعل من فاعلين فإذا أخرجت عن بابها بقي التكرر فقط من غير نظر للفاعل ثم أريد من التكرر لازمه وهو المبالغة والتحقق فتكون بمنزلة التوكيد اللفظي . والأشهر أن المواعدة لما كان غالب أحوالها حصول الوعد من الجانبين شاع استعمال صيغتها في مطلق الوعد وقد شاع استعمالها أيضا في خصوص التواعد بالملاقاة كما وقع في حديث الهجرة " وواعداه غار ثور " . وقول الشاعر : .
فواعديه سرحتي مالك ... أو الربا بينهما أسهلا واستعملت هنا لأن المناجاة والتكلم يقتضي القرب فهو بمنزلة اللقاء على سبيل الاستعارة ولذلك استغنى عن ذكر الموعود به لظهوره من صيغة المواعدة . وقيل المفاعلة على بابها بتقدير أن الله وعد موسى أن يعطيه الشريعة وأمره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه أن يمتثل لذلك فكان الوعد حاصلا من الطرفين وذلك كاف في تصحيح المفاعلة بقطع النظر عن اختلاف الموعود به وذلك لا ينافي المفاعلة لأن مبني صيغة المفاعلة حصول فعل متماثل من جانبين لا سيما إذا لم يذكر المتعلق في اللفظ كما هنا لقصد الإيجاز البديع لقصد إعظام المتعلق من الجانبين ولك أن تقول سوغ حذفه علم المخاطبين به فإن هذا الكلام مسوق للتذكير لا للإخبار والتذكير يكتفي فيه بأقل إشارة فاستوى الحذف والذكر فرجح الإيجاز وإن كان الغالب اتحاده .
وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ( وعدنا ) بدون ألف عقب الواو على الحقيقة .
A E
