هذه نعمة أخرى وهي نعمة نسخ تكليف شديد عليهم كان قد جعل جابرا لما اقترفوه من إثم عبادة الوثن فحصل العفو عنهم بدون ذلك التكليف فتمت المنة وبهذا صح جعل هذه منة مستقلة بعد المنة المتضمن لها قوله تعالى ( ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ) لأن العفو عن المؤاخذة بالذنب في الآخرة قد يحصل مع العقوبة الدنيوية من حد ونحوه وهو حينئذ منة إذ لو شاء الله لجعل للذنب عقابين دنيوي وأخروي كما كان الذنب النفس والبدن ولكن الله برحمته جعل الحدود جوابر في الإسلام كما في الحديث الصحيح فلما عفا الله عن بني إسرائيل على أن يقتلوا أنفسهم فقد تفضل بإسقاط العقوبة الأخروية التي هي أثر الذنب ولما نسخ تكليفهم بقتل أنفسهم فقد تفضل بذلك فصارت منتان .
فقول موسى لقومه ( إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) تشريع حكم لا يكون مثله إلا عن وحي لا عن اجتهاد وإن جاز الاجتهاد للأنبياء فإن هذا حكم مخالف لقاعدة حفظ النفوس التي قيل قد اتفق عليها شرائع الله فهو يدل على أنه كلفهم بقتل أنفسهم قتلا حقيقة إما بأن يقتل كل من عبد العجل نفسه فيكون المراد بالأنفس الأرواح التي في الأجسام فالفاعل والمفعول واحد على هذا وإنما اختلفا بالاعتبار كقوله ( ظلمتم أنفسكم ) وقول ابن أذينة : .
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها وإما بأن يقتل من لم يعبدوا العجل عابديه وكلام التوراة في هذا الغرض في غاية الإبهام وظاهره أن موسى أمره الله أن يأمر اللاويين " الذين هم من سبط لاوي الذي منه موسى وهارون " أن يقتلوا من عبد العجل بالسيف وأنهم فعلوا وقتلوا ثلاثة آلاف نفس ثم استشفع لهم موسى فغفر الله لهم أي فيكون حكم قتل أنفسهم منسوخا بعد العمل به ويكون المعنى فليقتل بعضكم بعضا فالأنفس مراد بها الأشخاص كما في قوله تعالى ( فإذا دخلتهم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) أي فليسلم بعضكم على بعض وقوله ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) أي لا يسفك بعضكم دماء بعض وقوله عقبه ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) فالفاعل والمفعول متغايران . ومن الناس من حمل الأمر بقتل النفس هنا على معنى القتل المجازي وهو التذييل والقهر على نحو قول امرئ القيس " في أعشار قلب مقتل " وقوله خمر مقتلة أو مقتولة أي مذللة سورتها بالماء . قال بجير بن زهير : .
إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل وفيه بعد عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان لآت تذليل النفس وقهرها شريعة غير منسوخة .
والظلم هنا الجناية والمعصية على حد قوله ( إن الشرك لظلم عظيم ) . والفاء في قوله ( فتوبوا ) فاء التسبب لأن الظلم سبب في الأمر بالتوبة فالفاء لتفريغ الأمر على الخبر وليست هنا عاطفته عند الزمخشري وابن الحاجب إذ ليس بين الخبر والإنشاء ترتب في الوجود ومن النحاة من لا يرى الفاء تخرج عن العطف وهو الجاري على عبارات الجمهور مثل صاحب مغنى اللبيب فيجعل ذلك عطف إنشاء على خبر ولا ضير في ذلك . وذكر التوبة تقدم في قوله تعالى ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) .
والفاء في قوله ( فاقتلوا أنفسكم ) ظاهرة في أن قتلهم أنفسهم بيان للتوبة المشروعة له فتكون الفاء للترتيب الذكري وهو عطف مفصل على مجمل كقوله تعالى ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) كما في مغنى اللبيب وهو يقتضي أنها تفيد الترتيب لا التعقيب . وأما صاحب الكشاف فقد جوز فيه وجهين أحدهما تأويل الفعل المعطوف عليه بالعزم على الفعل فيكون ما بعده مرتبا عليه ومعقبا وهذا الوجه لم يذكره صاحب المغنى وهذا لا يتأتى في قوله تعالى : ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ) . وثانيهما جعل التوبة المطلوبة شاملة لأقوال وأعمال آخرها قتلهم أنفسهم فتكون الفاء للترتيب والتعقيب أيضا
