وعندي أنه إذا كانت الجملة الثانية منزلة البيان من الجملة الأولى وكانت الأولى معطوفة بالفاء كان الأصل في الثانية أن تقطع عن العطف فإذا قرنت بالفاء كما في هذه الآية كانت الفاء الثانية مؤكدة للأولى ولعل ذلك إنما يحسن في كل جملتين تكون أولاهما فعلا غير محسوس وتكون الثانية فعلا محسوسا مبين للفعل الأول فينزل منزلة حاصل عقبه فيقرن بالفاء لأنه لا يحصل تمامه إلا بعد تقرير الفعل الأول في النفس ولذلك قربه صاحب الكشاف بتأويل الفعل الأول بالعزم في بعض المواضع .
A E والبارئ هو الخالق الخلق على تناسب وتعديل فهو أخص من الخالق ولذلك أتبع به الخالق في قوله تعالى ( هو الله الخالق البارئ ) .
وتعبير موسى عليه السلام في كلامه بما يدل على معنى لفظ البارئ في العربية تحريض على التوبة لأنها رجوع عن المعصية ففيها معنى الشكر وكون الخلق على مثال متناسب يزيد تحريضا على شكر الخالق .
وقوله ( فتاب عليكم ) ظاهر في أنه من كلام الله تعالى عند تذكيرهم بالنعمة وهو محل التذكير من قوله ( وإذ قال موسى لقومه ) إلخ فالماضي مستعمل في بابه من الإخبار وقد جاء على طريقة الالتفات لأن المقام للتكلم فعدل عنه إلى الغيبة ورجحه هنا سبق معاد ضمير الغيبة في حكاية كلام موسى . وعطفت الفاء على محذوف إيجازا أي ففعلتم فتاب عليكم أو فعزمتم فتاب عليكم على حد ( أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ) أي فضرب وعطف بالفاء إشارة إلى تعقيب جرمهم بتوبته تعالى عليهم وعدم تأخيرها إلى ما بعد استئصال جميع الذين عبدوا العجل بل نسخ ذلك بقرب نزوله بعد العمل به قليلا أو دون العمل به وفي ذلك رحمة عظيمة بهم إذ حصل العفو عن ذنب عظيم بدون تكليفهم توبة شاقة بل اكتفاء بمجرد ندمهم وعزمهم على عدم العود لذلك .
ومن البعيد أن يكون ( فتاب عليكم ) من كلام موسى لما فيه من لزوم حذف في الكلام غير واضح القرينة ؛ لأنه يلزم تقدير شرط تقديره فإن فعلتم يتب عليكم فيكون مرادا منه الاستقبال والفاء فصيحة ولأنه يعري هذه الآية عن محل النعمة المذكر به إلا تضمنا .
وجملة ( إنه هو التواب الرحيم ) خبر وثناء على الله وتأكيده بحرف التوكيد لتنزيلهم منزلة من يشك في حصول التوبة عليهم لأن حالهم في عظم جرمهم حال من يشك في قبول التوبة عليه وإنما جمع التواب مع الرحيم لأن توبته تعالى عليهم كانت بالعفو عن زلة اتخاذهم العجل وهي زلة عظيمة لا يغفرها إلا الغفار وبالنسخ لحكم قتلهم وذلك رحمة فكان للرحيم موقع عظيم هنا وليس هو لمجرد الثناء .
( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون [ 55 ] ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون [ 56 ] ) تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفاء طبع فمحل المنة والنعمة هو قوله ( ثم بعثناكم ) وما قبله تمهيد له وتأسيس ابنائه كما تقدم في قوله ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) الآية . والقائلون هم أسلاف المخاطبين وذلك أنهم قالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة
