وقوله ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قبل لهم ) أي بدل العشرة القول الذي أمر موسى بإعلانه في القوم وهو الترغيب في دخول القرية وتهوين العدو عليهم فقالوا لهم لا تستطيعون قتالهم وثبطوهم ولذلك عوقبوا فأنزل عليهم رجز من السماء وهو الطاعون . وإنما جعل من السماء لأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أو نحوها فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن ألقيت عناصره وجراثيمه عليهم فأصيبوا به دون غيرهم . ولأجل هذا خص التبديل بفريق معروف عندهم فعبر عنه بطريق الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك الصلة فدل على أن التبديل ليس من فعل جميع القوم أو معظمهم لأن الآية تذكير لليهود بما هو معلوم لهم من حوادثهم .
وإنما جاء بالظاهر في موضع المضمر في قوله ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا ) ولم يقل عليهم لئلا يتوهم أن الرجز عم جميع بني إسرائيل وبذلك تنطبق الآية على ما ذكرته التوراة تمام الانطباق .
وتبديل القول تبديل جميع ما قاله الله لهم وما حدثهم الناس عن حال القرية وللإشارة إلى جميع هذا بني فعل قيل إلى المجهول إيجازا . فقولا مفعول أول لبدل وغير الذي قيل مفعول ثان لأن بدل يتعدى إلى مفعولين من باب كسى أي مما دل على عكس معنى كسى مثل سلبه ثوبه . قال أبو الشيص : .
بدلت من برد الشباب ملاءة ... خلقا وبئس مثوبة المقتاض وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هينا .
وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة أن القول الذي بدلوا به أنهم قالوا حبة في شعرة أو في شعيرة والظاهر أن المراد به أن العشرة استهزأوا بالكلام الذي أعلنه موسى عليه السلام في الترغيب في فتح الأرض وكنوا عن ذلك بأن محاولتهم فتح الأرض كمحاولة ربط حبة بشعرة أي في التعذر أو هو كأكل حبة مع شعرة تخنق آكلها أو حبة من بر مع شعيرة .
وقوله ( فبدل الذين ظلموا ) وقوله ( فأنزلنا على الذين ظلموا ) اعتنى فيهما بالإظهار في موضع الإضمار ليعلم أن الرجز خص الذين بدلوا القول وهم العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض لأنهم كانوا السبب في شقاء أمة كاملة . وفي هذا موعظة وذكرى لكل من ينصب نفسه لإرشاد قوم ليكون على بصيرة بما يأتي ويذر وعلم بعواقب الأمور فمن البر ما يكون عقوقا وفي المثل " على أهلها تجني براقش " وهي اسم كلبة قوم كانت تحرسهم بالليل فدل نبحها أعداءهم عليهم فاستأصلوهم فضربت مثلا .
( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين [ 60 ] ) تذكير بنعمة أخرى جمعت ثلاث نعم وهي الري من العطش وتلك نعمة كبرى أشد من نعمة إعطاء الطعام ولذلك شاع التمثيل بري الظمآن في حصول المطلوب . وكون السقي في مظنة عدم تحصيله وتلك معجزة لموسى وكرامة لأمته لأن في ذلك فضلا لهم . وكون العيون اثنتى عشرة ليستقل كل سبط بمشرب فلا يتدافعوا . وقوله وإذ متعلق باذكروا وقد أشارت الآية إلى حادثة معروفة عند اليهود وذلك أنهم لما نزلوا في " رفيديم " قبل الوصول إلى برية سينا وبعد خروجهم من برية سين في حدود الشهر الثالث من الخروج عطشوا ولم يكن بالموضع ماء فتذمروا على موسى وقالوا أتصعدنا من مصر لنموت وأولادنا ومواشينا عطشا فدعا موسى ربه فأمره الله أن يضرب بعصاه صخرة هناك في " حوريب " فضرب فانفجر منها الماء . ولم تذكر التوراة أن العيون اثنتا عشرة عينا وذلك التقسيم من الرفق بهم لئلا يتزاحموا مع كثرتهم فيهلكوا فهذا مما بينه الله في القرآن .
فقوله ( استسقى موسى ) صريح في أن طالب السقي هو موسى وحده سأله من الله تعالى ولم يشاركه قومه في الدعاء لتظهر كرامته وحده كذلك كان استسقاء النبي A يوم الجمعة على المنبر لما قال له الأعرابي هلك الزرع والضرع فادع الله أن يسقينا والحديث في الصحيحين .
A E
