وقوله ( لقومه ) مؤذن بأن موسى لم يصبه العطش وذلك لأنه خرج في تلك الرحلة موقنا أن الله حافظهم ومبلغهم إلى الأرض المقدسة فلذلك وقاه الله أن يصيبه جوع أو عطش وكلل وكذلك شأن الأنبياء فقد قال النبي A في حديث وصال الصوم : إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني - قال ابن عرفة في تفسيره أخذ المازري من هذه الآية جواز استسقاء المخصب للمجدب لأن موسى عليه السلام لم ينله ما نالهم من العطش ورده ابن عرفة بأنه رسولهم وهو معهم اه . وهو رد متمكن إذ ليس المراد باستسقاء المخصب للمجدب الأشخاص وإنما المراد استسقاء أهل بلد لم ينلهم الجدب لأهل بلد مجدبين والمسألة التي أشار إليها المازري مختلف فيها عندنا واختار اللخمي جواز استسقاء المخصب للمجدب لأنه من التعاون على البر ولأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وقال المازري فيه نظر لأن السلف لم يفعلوه .
وعصا موسى هي التي ألقاها في مجلس فرعون فتلقفت ثعابين السحرة وهي التي كانت في يد موسى حين كلمه الله في برية سينا قبل دخوله مصر وقد رويت في شأنها أخبار لا يصح منها شيء فقيل إنها كانت من شجر آس الجنة أهبطها آدم معه فورثها موسى ولو كان هذا صحيحا لعده موسى في أوصافها حين قال هي عصاي إلخ فإنه أكبر أوصافها . والعصا بالقصر أبدا ومن قال عصاه بالهاء فقد لحن وعن الفراء أن أول لحن ظهر بالعراق قولهم عصاتي .
و " آل " في الحجر لتعريف الجنس أي أضرب أي حجر شئت أو للعهد مشيرا إلى حجر عرفه موسى بوحي من الله وهو حجر صخر في جبل حوريب الذي كلم الله منه موسى كما ورد في سفر الخروج وقد وردت فيه أخبار ضعيفة .
والفاء في قوله ( فانفجرت ) قالوا هي فاء الفصيحة ومعنى فاء الفصيحة أنها الفاء العاطفية إذ لم يصلح المذكور بعدها لأن يكون معطوفا على المذكور قبلها فيتعين تقدير معطوف آخر بينهما يكون ما بعد الفاء معطوفا عليه وهذه طريقة السكاكي فيها وهي المثلى . وقيل إنها تدل على محذوف قبلها فإن كان شرطا فالفاء فاء الجواب وإن كان مفردا فالفاء عاطفة ويشملها اسم فاء الفصيحة وهذه طريقة الجمهور على الوجهين فتسميتها بالفصيحة لأنها أفصحت عن محذوف والتقدير في مثل هذا فضرب فانفجرت وفي مثل قول عباس ابن الأحنف : .
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقدجئنا خراسانا أي إن كان القفول بعد الوصول إلى خراسان فقد جئنا خراسان أي فلنقفل فقد جئنا . وعندي أن الفاء لا تعد فاء فصيحة إلا إذا لم يستقم عطف ما بعدها على ما قبلها فإذا استقام فهي الفاء العاطفة والحذف إيجاز وتقدير المحذوف لبيان المعنى وذلك لأن الانفجار مترتب على قوله تعالى لموسى ( اضرب بعصاك الحجر ) لظهور أن موسى ليس ممن يشك في امتثاله بل ولظهور أن كل سائل أمرا إذا قيل له افعل كذا أن يعلم أن ما أمر به هو الذي فيه جوابه كما يقول لك التلميذ ما حكم كذا ؟ فتقول افتح كتاب الرسالة في باب كذا ومنه قوله تعالى الآتي ( اهبطوا مصرا ) وأما تقدير الشرط هنا أي فإن ضربت فقد انفجرت إلخ فغير بين ومن البحث ذكره في الكشاف .
وقوله ( قد علم كل أناس مشربهم ) قال العكبري وأبو حيان إنه استئناف وهما يريدان الاستئناف البياني ولذلك فصل كأن سائلا سأل عن سبب انقسام الانفجار إلى اثنتي عشرة عينا فقيل قد علم كل سبط مشربهم والأظهر عندي أنه حال جردت عن الواو لأنه خطاب لمن يعقلون القصة فلا معنى لتقدير سؤال . والمراد بالأناس كل ناس سبط من الأسباط .
وقوله ( كلوا واشربوا من رزق الله ) مقول قول محذوف وقد جمع بين الأكل والشرب وإن كان الحديث على السقي لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى وقيل هنالك ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) فلما شفع ذلك بالماء اجتمع المنتان .
A E
