وجملة ( يخرج لنا ) إلى آخرها هي مضمون ما طلبوا منه أن يدعو به فهي في معنى مقول قول محذوف كأنه قيل قل لربك يخرج لنا ومقتضى الظاهر أن يقال أن يخرج لنا فعدل عن ذلك إلى الإتيان بفعل مجزوم في صورة جواب طلبهم إيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه حتى كأن إخراج ما تنبت الأرض يحصل بمجرد دعاء موسى ربه وهذا أسلوب تكرر في القرآن مثل قوله ( قل لعبادي الذين آمنوا يقيمون الصلاة ) . ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) وهو كثير فهو بمنزلة شرط وجزاء كأنه قيل إن تدع ربك بأن يخرج لنا يخرج لنا وهذا بتنزيل سبب السبب منزلة السبب فجزم الفعل المطلوب في جواب الأمر بطلبه لله للدلالة على تحقق وقوعه لثقتهم بإجابة الله تعالى دعوة موسى وفيه تحريض على إيجاد ما علق عليه الجواب كأنه أمر في مكنته فإذا لم يفعل فقد شح عليهم بما فيه نفعهم . والإخراج : الإبراز من الأرض ومن الأولى تبعيضية والثانية بيانية أو الثانية أيضا تبعيضية لأنهم لا يطلبون جميع البقل بل بعضه وفيه تسهيل على المسؤول ويكون قوله من بقلها حالا من ما أو هو بدل من ما تنبت بإعادة حرف الجر وعن الحسن " كانوا قوما فلاحة فنزعوا إلى عكرهم " وقد اختلف في الفوم فقيل هو الثوم بالمثلثة وإبدال الثاء فاء شائع في كلام العرب كما قالوا جدث وجدف وثلغ وفلغ وهذا هو الأظهر والموافق لما عد معه ولما في التوراة . وقيل الفوم الحنطة وأنشد الزجاج لا حيحة بن الجلاح : .
قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ... ورد المدينة من مزارع فوم " يريد مزارع الحنطة " وقيل الفوم الحمص بلغة أهل الشام .
وقوله ( قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) هو من كلام موسى وقيل من كلام الله وهو توبيخ شديد لأنه جرده عن المقنعات وعن الزجر واقتصر على الاستفهام المقصود منه التعجب فالتوبيخ . وفي الاستبدال للخير بالأدنى النداء بنهاية حماقتهم وسوء اختيارهم .
وقوله ( أتستبدلون ) السين والتاء فيه لتأكيد الحدث وليس للطلب فهو كقوله ( واستغنى الله ) وقولهم استجاب بمعنى أجاب واستكبر بمعنى تكبر ومنه قوله تعالى ( كان شر مستطيرا ) في سورة الإنسان . وفعل استبدل مشتق من البدل بالتحريك مثل شبه ويقال بكسر الباء وسكون الدال مثل شبه ويقال بديل مثل شبيه وقد سمع في مشتقاته استبدل وأبدل وبدل وتبدل وكلها أفعال مزيدة ولم يسمع منه فعل مجرد وكأنهم استغنوا بهذه المزيدة عن المجرد وظاهر كلام صاحب الكشاف في سورة النساء عند قوله تعالى ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) أن استبدل هو أصلها وأكثرها وأن تبدل محمول عليه لقوله والتفعل بمعنى الاستفعال غزير ومنه التعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار .
وجميع أفعال مادة البدل تدل على جعل شيء مكان شيء آخر من الذوات أو الصفات أو عن تعويض شيء بشيء آخر من الذوات أو الصفات .
ولما كان معنى الحدث المصوع منه الفعل اقتضت هذه الأفعال تعدية إلى متعلقين إما على وجه المفعولية فيهما معا مثل تعلق فعل الجعل وإما على وجه المفعولية في أحدهما والجر للآخر مثل متعلقي أفعال التعويض كاشترى وهذا هو الاستعمال الكثير فإذا تعدى الفعل إلى مفعولين نحو ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) كان المفعول الأول هو المزال والثاني هو الذي يخلفه نحو قوله تعالى ( فأولئك يبدل اله سيئاتهم حسنات ) ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) وقولهم أبدلت الحلقة خاتما وإذ تعدت إلى مفعول واحد وتعدت إلى الآخر بالباء وهو الأكثر فالمنصوب هو الماخوذ والمجرور هو المبذول نحو قوله هنا ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) وقوله ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقدضل سواء السبيل ) وقوله في سورة النساء ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) وقد يجر المعمول الثاني التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص : .
بدلت من مرد الشباب ملاءة ... خلقا وبئس مثوبة المقتاض وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعوض ويعدى إلى آخذ العوض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين وينبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو من كذا وبعد كذا كقوله تعالى ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) التقدير ليبدلن خوفهم أمنا هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال .
A E
