ووقع في الكشاف عند قوله تعالى ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) ما يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه إذا عدى إلى المعمول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ وكان المنصوب هو المتروك والمعطي فقرره القطب في شرحه بما ظاهره أن بدل لا يكون في معنى تعديته إلا مخالفا لتبدل واستبدل وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا تعدى إلى المعمول الثاني بالباء أحدهما يوافق استعمال تبدل والآخر بعكسه والأظهر عندي أن لا فرق بين بدل وتبدل واستبدل وأن كلام الكشاف مشكل وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة ولا في كلامه نفسه في كتاب الأساس .
فالأمر في قوله ( اهبطوا ) للإباحة المشوبة بالتوبيخ أي إن كان هذا همكم فاهبطوا بقرينة قوله ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) فالمعنى اهبطوا مصرا من الأمصار يعنى وفيه إعراض عن طلبهم إذ ليس حولهم يومئذ بلد قريب يستطيعون وصوله .
وقيل أراد اهبطوا مصر أي بلد مصر بلد القبط أي ارجعوا إلى مصر التي خرجتم منها والأمر لمجرد التوبيخ إذ لا يمكنهم الرجوع إلى مصر . واعلم أن مصر على هذا المعنى يجوز منعه من الصرف على تأويله بالبقعة فيكون فيه العلمية والتأنيث ويجوز صرفه على تأويله بالمكان أو لأنه مؤنث ثلاثي ساكن الوسط مثل هند فهو في قراءة ابن مسعود بدون تنوين وأنه في مصحف أبي بن كعب بدون ألف وأنه ثبت بدون ألف في بعض مصاحف عثمان قاله ابن عطية وذكر أن أشهب قال قال لي مالك هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ا ه ويكون قول موسى لهم ( اهبطوا مصرا ) أمرا قصد منه التهديد على تذكرهم أيام ذلهم وعنائهم وتمنيهم الرجوع لتلك المعيشة كأنه يقول لهم ارجعوا إلى ما كنتم فيه إذ لم تقدروا قدر الفضائل النفسية ونعمة الحرية والاستقلال . وربما كان قوله ( اهبطوا ) دون لنهبط مؤذنا بذلك لأنه لا يريد إدخال نفسه في هذا الأمر وهذا يذكر بقول أبي الطيب : .
فإن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص في القابل وقوله ( فإن لكم ما سألتم ) الظاهر أن الفاء للتعقيب عطفت جملة إن لكم ما سألتم على جملة اهبطوا للدلالة على حصول سؤلهم بمجرد هبوطهم مصر أو ليست مفيدة للتعليل إذ ليس الأمر بالهبوط بمحتاج إلى التعليل بمثل مضمون هذه الجملة لظهور المقصود من قوله ( اهبطوا مصرا ) ولأنه ليس بمقام ترغيب في هذا الهبوط حتى يشجع المأمور بتعليل الأمر والظاهر أن عدم إرادة التعليل هو الداعي إلى ذكر فاء التعقيب لأنه لو أريد التعليل لكانت إن مغنية غناء الفاء على ما صرح به الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز في الفصل الخامس والفصل الحادي عشر من فصول شتى في النظم إذ يقول " واعلم أن من شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه " أي في قول بشار : .
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير أن تغنى غناء الفاء العاطفة مثلا وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف مقطوعا موصولا معا وقال إنك ترى الجملة إذا دخلت إن ترتبط بما قبلها وتأتلف معه حتى كأن الكلامين أفرعا إفراغا واحدا حتى إذا أسقطت إن رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه حتى تجيء بالفاء فتقول مثلا : .
بكرا صاحبي قبل الهجير ... بكرا فالنجاح في التبكير ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة وهذا الضرب كثير في التنزيل جدا من ذلك قوله تعالى ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) وقوله ( يا بني أقم الصلاة ) إلى قوله ( إن ذلك من عزم الأمور ) وقال ( وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ) إلخ . فظاهر كلام الشيخ أن وجود إن في الجملة المقصود منها التعليل والربط مغن عن الإتيان بالفاء وأن الإتيان بالفاء حينئذ لا يناسب الكلام البليغ إذ هو كالجمع بين العوض والمعوض عنه فإذا وجدنا الفاء مع إن علمنا أن الفاء لمجرد العطف وإن لإرادة التعليل والربط بين الجملتين المتعاطفتين بأكثر من معنى التعقيب . ويستخلص من ذلك أن مواقع التعليل هي التي يكون فيها معناه بين مضمون الجملتين كالأمثلة التي ذكرها .
A E