وجعل أبو حيان في البحر المحيط جملة ( فإن لكم ما سألتم ) جوابا للأمر وزعم أن الأمر كما يجاب بالفعل يجاب بالجملة الاسمية ولا يخفى أن كلا المعنيين ضعيف هاهنا لعدم قصد الترغيب في هذا الهبوط حتى يعلل أو يعلق وإنما هو كلام غضب كما تقدم . واقتران الجملة بإن المؤكدة لتنزيلهم منزلة من يشك لبعد عهدهم بما سألوه حتى يشكون هل يجدونه من شدة شوقهم والمحب بسوء الظن مغري .
( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) عطف على الجمل المتقدمة بالواو وبدون إعادة إذ فأما عطفه فلأن هاته الجملة لها مزيد الارتباط بالجمل قبلها إذ كانت في معنى النتيجة والأثر لمدلول الجمل قبلها من قوله ( وإذ نجيناكم من آل فرعون ) فإن مضمون تلك الجمل ذكر ما من الله تعالى به عليهم من نعمة تحريرهم من استعباد القبط إياهم وسوقهم إلى الأرض التي وعدهم فتضمن ذلك نعمتي التحرير والتمكين في الأرض وهو جعل الشجاعة طوع يدهم لو فعلوا فلم يقدروا قدر ذلك وتمنوا العود إلى المعيشة في مصر إذ قالوا لن نصبر على طعام واحد كما فصلناه لكم هنا لك مما حكته التوراة وتقاعسوا عن دخول القرية وجبنوا عن لقاء العدو كما أشارت له الآية الماضية وفصلته آية المائدة فلا جرم إذ لم يشكروا النعمة ولم يقدروها أن تنتزع منهم ويسلبوها ويعوضوا عنها بضدها وهو الذلة المقابلة للشجاعة إذ لم يثقوا بنصر الله إياهم والمسكنة وهي العبودية فتكون الآية مسوقة مساق المجازاة للكلام السابق فهذا وجه العطف .
وأما كونه بالواو دون الفاء فليكون خبرا مقصودا بذاته وليس متفرعا على قول موسى لهم ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) لأنهم لم يشكروا النعمة فإن شكر النعمة هو إظهار آثارها المقصودة منها كإظهار النصر للحق بنعمة الشجاعة وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم وتثقيف الأذهان بنعمة العلم فكل من لم يشكر النعمة فهو جدير بأن تسلب عنه ويعوض بضدها قال تعالى ( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل ) الآية ولو عطف بغير الواو لكان ذكره تبعا لذكر سببه فلم يكن له من الاستقلال ما ينبه البال .
فالضمير في قوله ( وضربت عليهم ) ( وباءوا ) إلخ عائدة إلى جميع بني إسرائيل لا إلى خصوص الذين أبوا دخول القرية والذين قالوا لن نصبر على طعام واحد بدليل قوله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق فإن الذين قتلوا النبيين هم أبناء الذين أبوا دخول القرية وقالوا ( لن نصبر ) فالإتيان بضمير الغيبة هنا جار على مقتضى الظاهر لأنهم غير المخاطبين فليس هو من الالتفات إذ ليس قوله ( وضربت عليهم الذلة ) إلخ من بقية جواب موسى إياهم لما علمت من شموله للمتحدث عنهم الآبين دخول القرية ولغيرهم ممن أتى بعدهم فقد جاء ضمير الغيبة على أصله أما شموله للمخاطبين فإنما هو بطريقة التعريض وهو لزوم توراث الأبناء أخلاق الآباء وشمائلهم كما قررناه في وجه الخطابات الماضية من قوله ( وإذ فرقنا بكم البحر ) الآيات ويؤيده التعليل الآتي بقوله ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون ) المشعر بأن كل من اتصف بذلك فهو جدير بأن يثبت له من الحكم مثل ما ثبت للآخر .
والضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة يقال ضرب بعصا وبيده وبالسيف وضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق . فمنه ضرب في الأرض . وسار طويلا وضرب قبة وبيتا في موضع كذا بمعنى شدها ووثقها من الأرض . قال عبدة بن الطبيب : .
" " إن التي ضربت بيتا مهاجرة " وقال زياد الأعجم : .
" " في قبة ضربت على ابن الحشرج " وضرب الطين على الحائط ألصقه وقد تقدم ما لجميع هذه المعاني عند قوله تعالى ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) .
A E