فإسناد تزيين أعمال المشركين إلى الله في هذه الآية وغيرها مثل قوله ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) في سورة الأنعام لا ينافي إسناد ذلك إلى الشيطان في قوله الآتي ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ) ؛ فإن وسوسة الشيطان تجد في نفوس أولئك مرتعا خصبا ومنبتا لا يقحل ؛ فالله تعالى مزين لهم بسبب تطور جبلة نفوسهم من أثر ضعف سلامة الفطر عندهم والشيطان مزين لهم بالوسوسة التي تجد في نفوسهم كما قال تعالى حكاية عنه ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) وقال تعالى ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) وقد تقدم ذلك في قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم ) الآية في سورة البقرة .
وفرع على تزيين أعمالهم لهم أنهم في عمه متمكن منهم بصوغ الإخبار عنهم بذلك بالجملة الاسمية . وأفادت صيغة المضارع أن العمه متجدد مستمر فيه أي فهم لا يرجعون إلى اهتداء لأنهم يحسبون أنهم على صواب .
والعمه : الضلال عن الطريق بدون اهتداء . وقد تقدم في قوله تعالى ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) في سورة البقرة . وفعله كمنع وفرح .
فضمير ( هم ) عائد إلى ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) بمراعاة هذا العنوان لا بذواتهم .
A E واعلم أن هذا الاستمرار متفاوت الامتداد فمنه أشده وهو الذي يمتد بصاحبه إلى الموت ومنه دون ذلك . وكل ذلك على حسب تزيين الكفر في نفوسهم تزيينا خالصا أو مشوبا بشيء من التأمل في مفاسده وتلك مراتب لا يحيط بها إلا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .
( أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون [ 5 ] ) .
قصد باسم الإشارة زيادة تمييزهم فضحا لسوء حالهم مع ما ينبه إليه اسم الإشارة في مثل هذا المقام من أن استحقاقهم ما يخبر به عنهم ناشئ عما تقدم اسم الإشارة كما في ( أولئك على هدى من ربهم ) في سورة البقرة .
وعزز ما نبه عليه باسم الإشارة فأعقب باسم الموصول وصلته لما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الخبر .
وجيء بلام الاختصاص للإشارة إلى أنهم في حالتهم هذه قد هيىء لهم سوء العذاب . والظاهر أن المراد به عذاب الدنيا وهو عذاب السيف وخزي الغلب يوم بدر وما بعده بقرينة عطف ( وهم في الآخرة هم الأخسرون ) .
ففي الآية إشارة إلى جزاءين : جزاء في الدنيا معدود لهم يستحقونه بكفرهم فهم ما داموا كافرين متهيئون للوقوع في ذلك العذاب إن جاء إبانه وهم على الكفر .
وجزاء في الآخرة ينال من صار إلى الآخرة وهو كافر وهذا المصير يسمى بالموافاة عند الأشعري .
ولكون نوال العذاب الأول إياهم قابلا للتقصي منه بالإيمان قبيل حلوله بهم جيء في جانبه بلام الاختصاص المفيدة كونها مهيأ تهيئة أما أصالة جزاء الآخرة إياهم فلا مندوحة لهم عنه إن جاؤوا يوم القيامة بكفرهم .
فالضمائر في قوله ( لهم ) وقوله ( وهم في الآخرة هم ) عائدة إلى ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) بمراعاة ذلك العنوان الذي أفادته الصلة فلا دلالة في الضمير على أشخاص معينين ولكن على موصوفين بمضمون الصلة فمن تنقشع عنه الضلالة ويثوب إلى الإيمان يبرأ من هذا الحكم . وصيغ الخبر عنهم بالخسران في صيغة الجملة الاسمية وقرن بضمير الفصل للدلالة على ثبات مضمون الجملة وعلى انحصار مضمونها فيهم كما تقدم في قوله ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) .
وجاء المسند اسم تفضيل للدلالة على أنهم أوحدون في الخسران لا يشبهه خسران غيرهم لأن الخسران في الآخرة متفاوات المقدار والمدة وأعظمه فيهما خسران المشركين .
( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم [ 6 ] ) .
عطف على جملة ( تلك آيات القرآن ) انتقال من التنويه بالقرآن إلى التنويه بالذي أنزل عليه بأن القرآن آيات دالة على أنه كتاب مبين . وذلك آية أنه من عند الله ثم بأنه آية على صدق من أنزل عليه إذ أنبأه بأخبار الأنبياء والأمم الماضين التي ما كان يعلمها هو ولا قومه قبل القرآن . وما كان يعلم خاصة أهل الكتاب إلا قليلا منها وأكثره محرف . وأيضا فهذا تميهد لما يذكر بعده من القصص